تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الخلوة الأولى

في أرض الجزيرة على النيل

للأستاذ محمود الشرقاوي

في خلوةٍ كان الهوى بيننا ... وكانت النجوى وكانت دموع

وكانت الشكوى وكان الجوى ... وخافقٌ يضرب بين الضلوع

سقْيتني من روحك الطاهر ... عذبَ هوىً كنتُ إليه ظِمى

رويت فيه ظمئي وانتشى ... قلبيَ منه وجرى في دمي

شكا كلانا ما به وانثنى ... يستمع الشكوى إلى جاره

يستمع الشكوى وفي قلبه ... دنيا من الوجد ومن ناره

ومرَّت الساعات تعدو إلى ... حيث تهاوى في قرار سحيق

ونحن في خلوتنا نشتهي ... أن ينقضي الدهر وما إن نفيق

حتى أتت ساعتنا للوداع ... ثم وقفْنا موقفًا موجعا

مدْدت يمناك وأبقْيتها ... في قبضتي ثم صمْتنا معا

وقلت لي: كيف سأبقى إلى ... أن يصبح الصبح؟ أما تتَّقي!

يا حسرتا لي! نتوالى الليال ... لا نشتكي فيها ولا نلتقي!

بالله قل لي كيف كان الهوى ... وكنت بَعدي يا طويل الغياب

وكيف تُقضَى ليلةٌ في الشتاء ... بغير شكوى في الهوى أو عتاب

وكيف بالليل تولّى ولا ... تسمع فيه زفرةً من شجوني

وكيف بالأيام تمضي ولا ... تشهد فيها دمعةً من عيوني

يا قاسي القلب، أما تشتهي ... أن ترجع الأيام تلك العهود؟

أين الوفا منك وميثاقه ... وأين منه اليوم هذا الجمود

أين ليالينا وأيامنا ... ما بين شكوى في الهوى أو عتاب

إذ نتلاقى في الضحى والمسا ... ونشتكي في الصبح مرّ الغياب

طال ندائي لك في خلوتي ... وطال حرماني وطال العذاب

من بعد أنسى منك في وحدتي ... يوحشني بعدك بين الصحاب

مجلة الرسالة · الجزء ٣٨٠ · الصفحة ٣٦

النص من موقع تراث (الأصل). الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الرسالةج ٣٨٠ · ص ٣٦