تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هذه الطاعة إنما أوجبها الشرع على الناس لحكمة؛ ذلك أن خير المجتمع ومصلحته إنما تكون في الألفة بين الأفراد، والتعاون بينهم. وتتحقق مصلحة الصبيان بما يمليه عليهم أولياء أمورهم، الذين قد سمت عقولهم، واتسعت مداركهم، وكثرت خبرتهم، وعرفوا الشرع والدين والحياة حق المعرفة. فلا يتم تعليم الدين، بل تعليم أي أمر من الأمور، إلا بالتلقين الصادر من الكبار إلى الصغار؛ ولا يتحقق هذا التلقين إلا بالطاعة.

المعلم وهو يلقن الصبي إنما يقدم إليه خلاصة ما بلغت إليه الحضارة في أجيال متلاحقة. ولو تركت الطفل يحصل بمفرده حقائق الحياة وأسرار الوجود، لوجب أن يطول عمره آلافا من السنين ليبلغ ما وصلت إليه المدنية الحاضرة.

وعلى الصبي حين يكبر أن يضيف إلى خبرة الأجيال الماضية خبرة جديدة.

ومن الصفات الخلقية التي ينبغي أن يتعودها: النظام. والنظام والطاعة صنوان، فإذا كان خير المجتمع في الطاعة، فإنها تستوجب النظام، حيث كانت الفوضى مفسدة للمجتمع، ومضيعة للتعاون الضروري للحياة الإنسانية؛ ولا دولة مع الفوضى.

هذا النظام مطلوب من الصبيان في حضورهم إلى الكتاب، وفي انصرافهم عنه، وفي استماعهم للدرس، وفي أعمالهم المدرسية.

والعبادات في الإسلام تحمل في طياتها إلى جانب الطاعة والنظام كثيرا من الصفات الخلقية الحميدة.

فالصلاة عماد الدين. وتأديتها في أوقاتها يعلم النظام والدقة في حفظ المواعيد، حتى إذا شب الطفل على إقامة الصلاة مع المحافظة عليها تعود الإقبال على العمل في الوقت المناسب، والمبادرة إلى انتهاز الفرصة قبل ضياعها، وابتعد عن التثاقل، وامتنع عن التكاسل.

وفي الصوم من النتائج النفسية والخلقية مثل ما للصلاة؛ لأن التعود على الإفطار في ساعة معينة هو النظام الدقيق، الذي يطبع المسلمين بطابع الإحساس بالوقت، وحسن الاستفادة منه.

ولا تصح الصلاة بغير وضوء؛ لأنه شرط للصلاة. والوضوء غسل وطهارة ونظافة. والنظافة من الفضائل الشخصية العظيمة الأثر في الصحة، كما تنتقل فائدتها إلى النفس فتطهرها. ذلك أن الشعور بالنظافة الظاهرة، يهيئ الإنسان إلى النظر في المعاني بنفس الأسلوب، فيعف اللسان ويطهر الفكر.

فالطفل مطالب بطهارة الجسم، كما هو مطالب بطهارة القلب والنفس. ولذلك ينبغي أن يكون صادقا، عفيفا، أمينا، حافظا للعهد.

والمعلم مكلف تعليم الصبيان الوضوء، والصلاة مع تأديتها في أوقاتها؛ وهو في هذا التعليم الديني لهذه العبادة، إنما يلقنهم في نفس الوقت الطاعة والنظام والنظافة والعفة والطهارة.

ومن الدواعي التي تبعث الصبي على الانصراف عن المعلم والعلم: اللعب. ومن طبيعة الأطفال اللعب، ففي هذه السن الصغيرة تشتد حيويتهم، وتكثر حركتهم ويقبلون على اللعب بدافع من الفطرة، وقد نص القابسي على أن اللعب من الذنوب التي تستوجب العقاب. فاللعب عنده من الرذائل.

والمعلم معذور إذا حاول أن يزجر الصبيان عن اللعب؛ لأنه يريد الهدوء وينشد النظام المؤدي لحسن سير الدرس والتحصيل، ولم تكن الدراسات النفسية للأطفال قد بلغت في ذلك الزمان مبلغ ما وصلت إليه الآن.

لذلك كانوا يعتبرون الطفل رجلا صغيرا يعامل معاملة الرجال، أما التربية الحديثة فإنها تنظر إلى حياة الطفل نظرة تختلف عن الكبار. لهذا سايرت التربية الحديثة ميول الطفل وغرائزه، فاستغلت اللعب في مصلحة التعليم. وبذلك وفقت بين طبيعة الطفل وحاجة المجتمع. فقامت المدارس الخاصة بالأطفال على اللعب في الظاهر، بينما الغاية المقصودة هي تعليم الأطفال. وعندئذ تتحقق المصلحتان، مصلحة الطفل في الترويح عن نفسه، واستغراق الحيوية الفائضة في كيانه المتدفق نشاطا في هذه السن الصغيرة، كما تتحقق مصلحة المجتمع من تثقيف الصغار على الوجه المطلوب القائد إلى التقدم والرقي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥٢