تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فنحن نرى القابسي يطلب العلم بالفضائل أولا، أو المعرفة بها، على أن يكون هذا العلم مستمدا من القرآن والسنة بطبيعة الحال. والقرآن غني بالفضائل وأسبابها، زاخر بالتوجيهات الخلقية، والدوافع إلى الخير.

وتلك هي الطريقة السقراطية في جانبها الثاني، وهو العلم بالفضيلة، بل إن سقراط وحد بين العلم والفضيلة، فجعل العلم شرطا للفضيلة لا تتحقق إلا به، وجعل الذي يعمل الفضيلة عالما بها.

وسبيل الوصول إلى الفضيلة عند سقراط هو الاستقراء والنظر إلى النفس، وفي ذلك يقول الحكمة المأثورة: «اعرف نفسك بنفسك.» وفي القرآن إشارة إلى ذلك حيث قال تعالى:

وفي الأرض آيات للموقنين * وفي أنفسكم أفلا تبصرون (الذاريات: 20-21) كما حث الله العباد على وجوب النظر والاستدلال.

ولكن الصبي الصغير لا يستطيع أن ينعطف على نفسه ليستخرج منها هذه المعاني الخلقية بنفسه. لهذا اكتفى القابسي بما يفعله المعلم من توجيه نظره وتفهيمه ما يجب عليه. هذا التفهيم مستمد من القرآن والسنة. وقد أشار القابسي إلى ذلك عندما أراد معالجة الولد العاق لوالديه فقال: «فاقرأ على ولده القرآن، وفهمه ما عليه لوالده في لين ورفق لعله يتذكر أو يخشى.»

بذلك يكون الدين نفسه هو المحور الذي يدور عليه التعليم، والذي تدور حوله التربية الخلقية. والنظريات الحديثة في التعليم والتربية تجعل الطفل نفسه هو المحور الذي يدور عليه التعليم. هذا الانقلاب في وجهة النظر التعليمية لم يتم إلا في عصر متأخر، أما في العصر الذي نتحدث عنه فكان الدين مستغرقا حياة الناس العقلية والخلقية والاجتماعية. ولهذا السبب كان أول شيء يعرفه الطفل ويتعلمه هو القرآن، فيه كل ما يحتاج إليه الإنسان في حياته، كما قال تعالى:

ما فرطنا في الكتاب من شيء . (الأنعام: 38). (7) الفصائل والرذائل

الفضائل حلية الإنسان. وهي حسنة إذا عمل بها صاحبها؛ أما العلم بها دون عمل، فلا فرق بين إنسان يحملها، أو كتاب يحويها.

وقيل إن الإنسان مجموعة من العادات. وأغلب أعمال الإنسان عادات وهي توفر الوقت والمجهود، وتؤدي إلى الإتقان والسهولة، وتجعل صاحبها يتفرغ لأعمال جديدة يفكر فيها. فإذا كان الأمر كذلك فمن الخير للإنسان المبادرة بتكوين العادات الفاضلة حتى تتأصل منه، وتنزل منزلة الطبع، ولأن الإقلاع عن العادات المرذولة، إذا تمكنت، يكون شاقا عسيرا.

لهذا كان من الواجب على القائمين بتربية النشء أن يزرعوا في أنفسهم الصفات الخلقية الحميدة منذ الصغر؛ ليشبوا عليها، ويألفوها مع الزمن.

وقد فطن القابسي لهذه النتائج المترتبة على تكوين العادة فقال بصدد تعليم الصلاة: «وقد أمر المسلمون أن يعلموا أولادهم الصلاة والوضوء لها، ويدربوهم عليها، ويؤدبوهم بها، ليسكنوا إليها ويألفوها، فتخف عليهم إذا انتهوا إلى وجوبها عليهم.» 27-أ.

وهناك فضائل أوحى القابسي بتوجيه الصبيان إليها، كما أن هناك رذائل نص عليها، ونبه المعلم إلى وجوب الحذر منها، وإبعادها عن طريق الصبيان. والنص على رذائل خاصة، وذنوب بعينها، يدل على ما كان يجري في ذلك العصر، وينبئ عن أسرار تلك البيئة الاجتماعية.

من هذه الصفات الخلقية التي ينبغي أن يتحلى بها الصبيان: الطاعة. وليست الطاعة واجبا على الصبيان نحو المعلم فقط، بل هي واجب المسلمين كافة لأوامر الله والرسول، كما جاء في القرآن:

أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم (النساء: 59). وفي القرآن آيات كثيرة تحث على الطاعة بل تأمر بها، فقد أمر الله المرأة أن تطيع زوجها، والابن أن يطيع أباه. وبذلك نجد الإسلام يضع الناس في درجات من السيطرة والخضوع، والأمر والانقياد. وفي قمة هذه الدرجات الله تعالى الذي أمر العباد بعبادته وتسبيحه وحمده، كما أمرهم بأنواع كثيرة من السلوك بينهم وبين أنفسهم، وبينهم وبين غيرهم. ويلي طاعة الله طاعة الرسول وأولي الأمر، كل ذلك بنص في الدين. والوالد هو الولي الشرعي لأبنائه، لذلك وجبت طاعة الأبناء للآباء بأمر الدين. والمعلم يحل محل الوالد، ومنزلته هي نفس منزلته، وفي ذلك يقول القابسي: «فإنما هو لهم عوض من آبائهم.» وبذلك تجب طاعة الصبيان للمعلم.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ٥١