قال صاحب (معالم الإيمان): «وسمع منه خلق كثير» وعدد جماعة، منهم من ذكرهم القاضي عياض، ومنهم من لم يذكرهم.
والمشهور أنه أخذ عن الدباغ والكناني. جاء في (شذرات الذهب): «أخذ عن ابن مسرور الدباغ، وفي الرحلة عن حمزة الكناني وطائفة.»
وننقل إليك بعض ما وقع إلينا من كلام القابسي في شيوخه.
جاء في ترجمة أبي العباس بن أحمد بن إبراهيم بن إسحاق التونسي المعروف بالإبياني ما يأتي: «وكان أبو الحسن القابسي يقول ما رأيت بالمشرق ولا بالمغرب مثل أبي العباس. كان يفصل المسائل كما يفصل الجزار الحاذق اللحم. وكان يحب المذاكرة في العلم ويقول: دعونا من السماع، ألقوا المسائل.»
15
وقال في عبد الله أبي محمد ابن أبي زيد: «هو إمام موثوق به في ديانته وروايته.»
16
ورثى القابسي عبد الله أبا محمد بن إسحاق المعروف بابن التبان فقال: «رحمك الله يا أبا محمد فقد كنت تغار على المذهب وتذب عن الشريعة.»
17 (5) صفاته وعلمه
عن السيوطي في (طبقات الحفاظ) أنه «كان حافظا للحديث والعلل، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، رأسا في الفقه، ضريرا، زاهدا، ورعا.»
وعن ابن خلكان: «كان إماما في علم الحديث ومتونه وأسانيده، وجميع ما يتعلق به، وكان للناس فيه اعتقاد كثير.»
وجاء في (شذرات الذهب): «وكان مع تقدمه في العلوم حافظا، صالحا، تقيا، ورعا، حافظا للحديث وعلله منقطع القرين.»
وذكره صاحب (معالم الإيمان) قال: «كان عالما عاملا، جمع العلم والعبادة، والورع والزهد، والإشفاق والخشية، ورقة القلب، ونزاهة النفس، ومحبة الفقراء. حافظا لكتاب الله ومعانيه وأحكامه، عالما بعلوم السنة والفقه واختلاف الناس، سلم له أهل عصره ونظراؤه في العلم والدين والفضل، كثير الصيام والتهجد بالليل والناس نيام مع كثرة التلاوة، وكانت فيه خصال لم تكمل إلا فيه: منها القناعة، والرفق بأهل الذنوب، وكتمان المصائب والشدائد، والصبر على الأذى، وخدمة الإخوان، والتواضع لهم، والإنفاق عليهم، وصلتهم بما عنده.»
وأطال القاضي عياض في ذكر مناقبه، وقد استهل ذكره بما يأتي: «كان أبو الحسن من الخائفين الورعين، المشتهرين بإجابة الدعوة، سلك في كثير من أموره مسلك شيوخه من صلحاء فقهاء القيروان، المتقللين من الدنيا، البكائين المعروفين بإجابة الدعاء، وظهور البراهين.»
وقال ابن فضل الله العمري في (مسالك الأبصار): «رجل نورت بصيرته، وسرت سريرته، وظهرت بزيادة نور الباطن خيرته، فلم يكن ضررا عماه، ولا عادما فضل البصر ونعماه؛ ولم تزل نكبات الأيام عنه ناكبة، ونوائب الحدثان على أعدائه متناوبة؛ اختلج بحرا لا تسع مثله الصدور، وأخرج درا لا تولد شبهه البحور، فما تكلم إلا امتدت إليه يد الالتقاط، وضاق به فسيح الفضاء والبحر في سم الخياط؛ ولم يزل على طرق العلم راصدا، ولسبل الحلم قاصدا، إلى أن قطعت حباله، وغاصت أبحره الزواخر ودكت جباله.»
ثم قال: «وكان حافظا للحديث والعلل، بصيرا بالرجال، عارفا بالأصلين، رأسا في الفقه. وكان ضريرا، وكتبه في نهاية الصحة، كان يضبطها له ثقات أصحابه. وكان زاهدا ورعا يقظا، لم أر بالقيروان أحدا إلا معترفا بفضله.»
ونحب أن نقف قليلا عند مناقبه العلمية، فقد أجمع الذين ترجموا له على أنه كان محدثا حافظا فقيها. ويؤيد ذلك أن صاحب (مسالك الأبصار) ذكره في (طبقات المحدثين). وذكره السيوطي في (طبقات الحفاظ)، وفي هذا دليل على بلوغه مرتبة الحفاظ من أئمة المحدثين.
وما جاء في رسالته التي بين أيدينا من الأحاديث المسندة، يبين أن القابسي كان حقا من علماء الحديث. وكتابه «الملخص» دليل على رسوخ قدمه في الحديث.
وفي ابن خلكان: «وصنف في الحديث كتاب «الملخص» جمع فيه ما اتصل إسناده من حديث مالك بن أنس رضي الله عنه في (كتاب الموطأ)، رواية أبي عبد الرحمن بن القاسم المصري، وهو على صغر حجمه، جيد في بابه.»