قال: وقال سحنون: انتقض ما ينوب أباه من إجارة في باقي الشرط ولا يلزمه ذلك، وكذلك إن مات الأب انتقض ما بقي من الإجارة وكان ما بقي في مال الصبي، قال محمد: مثل الرضاع إذا استأجر الرجل لولده من يرضعه ثم مات الأب أو الصبي، فإن عبد الرحمن روى عن مالك: أن الإجارة تنتقض، ويكون ما بقي في مال الصبي إن كان له مال، ويكون ذلك موروثا عن الميت، وإن مات الصبي أخذ الأب باقي الإجارة، وروى أشهب عن مالك أن تلك العطية نفذت للصبي، فإن مات الأب كانت للصبي، وإن مات الصبي كان ما بقي موروثا عن الصبي كأنه ماله، وكذلك أجرة المعلم مثل هذا، والله أعلم. قال محمد: وهذا قولي، وهو القياس.
قال سحنون: وقد سئل بعض علماء الحجاز - منهم ابن دينار وغيره - أن يستأجر المعلم الجماعة وأن يفرض على كل ولد ما ينوبه، فقال: يجوز إذا تراضى بذلك الآباء؛ لأن هذا ضرورة ولا بد للناس منه، وهو أشبه. وقال: وهو بمنزلة ما لو استأجر رجل عبدين من رجلين، لكل واحد عبد، وإنما ذلك بمنزلة البيع؛ وعبد الرحمن لا يجوز هذه الإجارة؛ لأنه لا يجوز ذلك في البيع. والله أعلم.
قال: ولا بأس للمعلم أن يشتري لنفسه ما يصلحه من حوائجه إذا لم يجد من يكفيه. ولا بأس أن ينظر في العلم في الأوقات التي يستغني الصبيان عنه، مثل أن يصيروا إلى الكتاب وإملاء بعضهم على بعض، إذا كان ذلك منفعة لهم، فإن هذا قد سهل فيه بعض أصحابنا.
وسئل مالك عن المعلم يجعل للصبيان عريفا، فقال: إن كان مثله في نفاذه، فقد سهل في ذلك إذا كان للصبي في ذلك منفعة. وسمعته يقول: تنازع المغيرة بن شعبة وابن دينار - وكلاهما من علماء الحجاز - عن صبي يختم القرآن عند المعلم فيقول الأب: إنه لا يحفظ، فقال المغيرة: إذا كان أخذ القرآن كله عنده وقرأه الصبي كله نظرا في المصحف وأقام حروفه، فإن أخطأ منه اليسير الذي لا بد منه مثل الحروف ونحوها، فقد وجبت للمعلم الختمة، وهو على الموسع قدره وعلى المقتر قدره، وهو الذي أحفظ من قول مالك.
وقال ابن دينار: سمعت مالكا يقول: تجب للمعلم الختمة على قدر يسر الرجل وعسره، يجتهد في ذلك ولي النظر للمسلمين.
وأرى أنه إذا تنازع الأب والمعلم في الصبي، أنه لا يعلم القرآن، فإنه إذا قرأ منه نظرا من الموضع الذي لو كان أخذه عنده مفردا وجبت له الختمة، قضيت له بها، ولا أبالي ألا يقرأ غير ذلك؛ لأنه لو لم يأخذه عنده، لم يسأل هذا المعلم عنه. وأجمعوا جميعا على أنه إذا أخذ عنده الثلث إلى سورة البقرة أن الختمة واجبة، إذا عرف أن يقرأه كما وصفت لك، ولا يسأل عن غير ذلك مما لم يكن أخذه عنده.
وسئل عن المعلم يستأجر على تعليم الصبيان فيموت، فقال: إذا مات انفسخت الإجارة، وكذلك إذا مات أحد الصبيان انفسخ من الإجارة بقدر ما بقي من إجارة مثل الصبي، وقد قيل إن الإجارة لا تنفسخ وأن على المعلم فيما له مقاصة في التعليم، وعلى أبي الصبي أن يأتي بمن يعلمه تمام السنة، وإلا كانت له الإجارة كاملة.
قال محمد: الأول كلام عبد الرحمن وعليه العمل، وإنما ذلك بمنزلة الراحلة بعينها، إذا هلكت انفسخ الكراء، ولا يجوز أن يأتي بمثلها، ولا يشترط عليه ذلك. والله أعلم.
وسمعته يقول: قال أصحابنا جميعا - مالك والمغيرة وغيرهما: تجب للمعلم الختمة ولو استؤجر شهرا شهرا، أو على تعليم القرآن بأجر معلوم، ولا يجب له غير ذلك. وقالوا: إذا استظهر الصبي القرآن كله كان له أكثر في العطية للمعلم ممن إذا قرأه نظرا، وإذا لم يتهج الصبي ما يملى عليه، ولا يفهم حروف القرآن، لم يعط المعلم شيئا، وأدب المعلم ومنع من التعليم إذا عرف بهذا، وظهر تفريطه.
ما جاء في إجارة المصحف وكتب الفقه وما شابهها
قال سحنون: قلت لابن القاسم: أرأيت المصحف أيصح أن يستأجر ليقرأ فيه؟ فقال: لا بأس به لأن مالكا قال: لا بأس ببيعه. ابن وهب عن ابن لهيعة ويحيى بن أيوب عن عمارة بن عرفة عن ربيعة قال: لا بأس ببيع المصحف، وإنما يباع الحبر والورق والعمل.