وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا [94-ب] إما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولا كريما * واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيرا (الإسراء: 23-24). فإذا رأيت والدا يشكو ولده، فاقرأ على ولده القرآن وفهمه ما عليه لوالده، في لين ورفق، لعله يتذكر أو يخشى، وحذره عقوق والديه، فإن الرسول عليه السلام عد عقوق الوالدين مع الكبائر التي تدخل النار. فأما أن يؤخذ بقول والده، أو يحكم بذلك عليه، فلا. ولكن إن كان والده من أهل الصلاح، ويؤمن منه أن يكون فيه انحراف لولد غيره، أو إلى زوجة له غير أمه، فيعرف الولد أن أباه لا يتهم عندنا بالكذب، ولا سبيل إلى سوء الظن به فيك. وهو إن لم تجر عليك الأحكام [95-أ] بقوله، فإن قوله فيك السوء يزري بك، ويمقتك، وينفر عنك القلوب، وترى بعين الجهالة والسفه. فإن كان هذا الولد من أهل المروءة والقناعة، فيستنهى ويتأبخ ويستشعر الصبر على والديه. وإن كان من أهل السفه والجهالة والمرادة، نظر فيه حاكم المسلمين العدل بحسن النظر، وزجره عما لم تقم به عليه بينة، إلا شكوى الأب، بعض الزجر. ورب والد يكون السفه صفته وله الولد الحليم، فيعتو عليه والده بسفهه، فلا يقبل منه، ولا يطاع فيه، ويزجر عنه حتى يكف أذاه. ولك في هذا الوصف مقنع مما سألت عنه إن شاء الله.
ذكر سؤاله عن قول الرسول عليه السلام نزل القرآن على سبعة أحرف
88
وسألت عن تفسير: أنزل القرآن على سبعة أحرف. فاعلم أن المراد منه مفهوم في نصه، كما جاء عن عمر بن الخطاب [95-ب] رضي الله عنه، قال سمعت هشام بن حكيم يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرؤها عليه، وكان رسول الله
صلى الله عليه وسلم
أقرأنيها، فكدت أن أعجل عليه، ثم أمهلته حتى انصرف، ثم لببته بردائه، فجئت به رسول الله
صلى الله عليه وسلم . فقلت: يا رسول الله إني سمعت هذا يقرأ سورة الفرقان على غير ما أقرأتنيها. فقال له رسول الله
صلى الله عليه وسلم : اقرأ. فقرأ القراءة التي سمعته يقرأ. فقال
صلى الله عليه وسلم
هكذا أنزلت، ثم قال لي: اقرأ، فقرأت. فقال: هكذا أنزلت، إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرءوا ما تيسر منه. فبين
صلى الله عليه وسلم
بقوله، فاقرءوا ما تيسر منه أنها [96-أ] سبع قراءات، في كل واحدة منها ألفاظ مخالفة لما في الأخرى، فليقرأ كل امرئ بما تيسر منه من هذه السبعة. وقد تختلف الألفاظ في القراءة في كلمة والمعنى فيها واحد. وقد تختلف المعاني فيها باختلاف الألفاظ في قراءتها. والقراءتان المشهورتان الثابتتان عن من نسبتا إليه، ممن وجبت إمامته، وصحت ثقته، بمنزلة الآيتين عند حذاق المقرئين، تفسر إحداهما الأخرى، أو يخالف معناها فتكون إحداهما ناسخة للأخرى؛ فلينشرح صدرك إلى ما قرأ به أئمة المسلمين المشهورون، الذين سلم لهم أهل الأمصار الجامعة ما تقلدوه، ووثقوا بهم فيما رووه، فما منهم إلا من قراءته حسنة [69-ب] مسلم بها ويحتج بها، ونكب عن غيرهم، فإنه ليس لما جاء به قوة كقوتهم. وهؤلاء الأئمة هم: نافع بن عبد الرحمن بن أبي نعيم، إمام القراء بالمدينة؛ وعبد الله بن كثير إمام القراء بمكة؛ وعبد الله بن عامر إمام القراء بالشام؛ وأبو عمرو بن العلاء إمام القراء بالبصرة. وثلاثة منهم بالكوفة، وهم عاصم بن أبي النجود، وحمزة بن حبيب الزيات، وعلي بن حمزة الكسائي؛ وليس هو حمزة المقرئ. فقد عرفتك بأسمائهم وبلدانهم لئلا يشتكل عليهم غيرهم بهم، ومع هذا فأنت بطرف بعيد فلا تقبلن غير ما تعرف إلا من المأمونين. وقد قال مالك رحمه الله: قراءة نافع حسنة ولم يضيق غيرها [97-أ] ولا كره خلافها، إلا ما شذ، وخرج على المتواطأ عليه. وقد قدمت لك ما في كتاب سحنون من استحسان قراءة نافع، والتوسعة في غيرها، ما لم يكن مستبشعا. فافهم. واستمسك بهدي المتقين. عصمنا الله وإياك من الفتنة في الدين، وأعاذنا من شر الفاتنين والمفتونين، وختم لنا بما يرضيه عنا، ليميتنا عليه، فيدخلنا برحمته في عباده الصالحين آمين رب العالمين، وهو حسبنا ونعم الوكيل.