ولا يجوز له الصلاة على الجنائز إلا ما لا بد له منه، ممن يلزمه النظر في أمره؛ لأنه أجير لا يدع عمله ويتبع الجنائز وعيادة المرضى.
قيل: فهل ترى للمعلم أن يكتب كتب العلم له أو للناس؟ فقال: أما في وقت فراغه من الصبيان، فلا بأس أن يكتب لنفسه وللناس، مثل أن يأذن لهم في الانقلاب. وأما ما داموا حوله، فلا أراه يجوز له ذلك. وكيف يجوز له أن يخرج مما يلزمه النظر فيه إلى ما لا يلزمه؟ ألا ترى أنه لا يجوز له أن يوكل تعليم بعضهم [64-ب] إلى بعض، فكيف يشتغل بغيرهم! قال أبو الحسن: كل ما جرى في هذا الفصل صواب حسن. وما قال فيه: إلا أن يأذن في ذلك أبوه أو وليه، فمعناه: إذا كان أجر المعلم من غير مال الصبي الذي يجوز إذنهم في ذلك من أموالهم، دفعوا الإجارة عن الصبي. وقد تقدم مثله، وأن معناه: أنه كان في الشرط عند عقد الإجارة، قبل أن يجب الحق للصبيان، وهو وجه القول عندي. والله أعلم.
وقد أتى ما وصفه سحنون على مسائلك وأكثر منها.
وأما قولك: هل للمعلم إذا غلب عليه النوم أن ينام عندهم، أم يغالب ذلك عن نفسه؟ فإنه إن كان في وقت تعليمه إياهم، وحضورهم عنده، فليغالبه إن استطاع. وإن غلب فليقم فيهم من يخلفه عليهم، إذا كان في مثل كفايته، بإجارة [65-أ] يستأجره، أو يتطوع له إذا كان من غير الصبيان. وإن كان من الصبيان أنفسهم فقد تقدم من الشرائط في ذلك.
وكذلك إن مرض، أو [كان] عليه شغل، فهو يستأجر لهم من يكون فيهم بمثل كفايته لهم، إذا لم تطل مدة ذلك. فإن طالت فلآباء الصبيان في ذلك نظر ومتكلم من قبل أنه هو المستأجر بعينه، فلا يصلح أن يقيم عوضا منه إلا فيما قرب، فيستخف إذا كانت الإجارة واجبة عليه.
كذلك إن هو سافر فأقام من يوفيهم كفايته لهم، إن كان سفرا لا بد منه، قريبا اليوم واليومين وما أشبههما فيستخف ذلك إن شاء الله. وأما إن بعد أو خيف بعد القريب، لما يعرض في الأسفار من الحوادث، فلا يصلح له ذلك.
وأما شهود النكاحات، وشهادات [65-ب] البياعات، فليس له ذلك؛ هو في هذا مثل شهود الجنازة، وعيادة المريض، أو أشد. وأما إن كانت عنده شهادة، والسلطان عنه بعيد، في سيره إليه شغل عن صبيانه، فهو له عذر في تخلفه عن أداء الشهادة ؛ ولكن إن لم يوجد منه بد، أودع شهادته عند من ينقلها عنه، وله في ذلك عذر، ويقبلها الحاكم ممن نقلها إليه، ويعذره بعذره الذي لزمه. فافهم، فقد بينت لك جميع ما سألت عنه من هذا المعنى.
فأما قولك: فإن فعل، يريد ما نهى عنه، وتشاغل عن الصبيان، ماذا عليه؟ فاعلم أنه يكون من الاشتغال الخفيف، الذي يكون في مثل حديثه في مجلسه، فيشغله من الصبيان شيئا، فهذا وما اشبهه يقل خطبه، ويخف قدره، فيتحلل من آباء الصبيان مما أصاب من ذلك، إن كان الأجر من أموالهم. وإن كان من [66-أ] أموال الصبيان فلا بأس به عندي أن يعوضهم من وقت عادة راحته، ما يجبر لهم به من نقصهم من حظوظهم باشتغاله ذلك؛ وإن كان غائبا اليوم أو أكثر اليوم، فهذا كثير. فإن كانت إجارته أجلا معلوما، وقد عطلهم، ولم يقم لهم عوضا منه، فيضع من أجره ما ينوب ذلك اليوم الذي عطله. وإن كانت الإجارة مطلقة، وفي كل شهر بما علم فيه: وليس له أن يعتاد التشاغل، حتى يلجئه إلى العوض؛ لأن ذلك يضر بالصبيان.
وأما سؤالك عما يكلفه المعلم الصبيان أن يأتوه به من بيوت آبائهم، يريد بغير إذن آبائهم، أو حمله الصبيان بغير تكليف من المعلم، وكان ذلك من الطعام أو غير الطعام، وإن قل قدره من حطب أو غير ذلك، فهذا لا يحل للمعلمين أن يأمروا به، ولا أن يقبلوه إن أتي به [66-ب] إليهم، وإن لم يأمروا به، إلا بإذن الآباء، ويسلم أيضا من أن يكون ما أذن الآباء في ذلك على وجه الحياء وتقية اللائمة. وقد تقدم من قول سحنون في فصل ما يجوز من بطالتهم ما فيه الكفاية من سؤالك هذا. فافهم.