تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

55

ولذلك جرى فيه الاختلاف الذي وصفناه. على أن القاصد إلى حفظ حروف ذلك ليفهم فيه بعد ذلك، قد لا ينتهي إلى التفهم، فيحصل بما يحفظ على غير فائدة تفيده في دينه. والقرآن من استكمل حفظه انتفع به، وإن حفظ منه حرفا انتفع به في دينه، فخالف القرآن كل شيء يحفظ من كلام الناس خلافا بينا، لا إشكال فيه. ولذلك أجازوا إجارة التعليم على أجزائه واستكماله، فقد تقدم من ذلك في صدر الباب فضل.

وأزيدك [50-ب] ها هنا منه ما يكون عونا لك في استبانته. قيل لابن القاسم: إن استأجرت رجلا يعلم لي ولدي القرآن، يحذقه القرآن بكذا وكذا درهما، قال مالك: لا بأس بذلك. وقال ابن القاسم: ولا بأس بالسدس أيضا مثل قول مالك في الجميع. وقال ابن القاسم: لا بأس أن يقدم إلى معلم الكتاب حقه، قبل أن يدخل الصبي. وعند ابن سحنون قال مالك: لا بأس أن يستأجر الرجل المعلم على أن يعلم ولده القرآن بأجر معلوم، إلى أجل معلوم أو كل شهر، وكذلك نصف القرآن، وربعه، وما سمي منه. قال أبو الحسن: أما قوله أو كل شهر، فقد قيل لابن القاسم أن يستأجره على تعليم ولده القرآن كل شهر بدرهم، أو كل سنة بدرهم. قال: قال مالك: لا بأس بذلك، قيل إن [51-أ] استأجره على أن يعلم ولده الكتابة كل شهر بدرهم؟ قال: قال: لا بأس بذلك. قيل - وهو قول مالك - قال: قال مالك في إجارة المعلمين سنة بسنة: لا بأس بذلك. والذي يستأجره يعلم ولده الكتابة وحدها، لا بأس بذلك، مثل قول مالك في إجارة المعلمين سنة بسنة. قال أبو الحسن: وأما قوله إلى أجل معلوم، فإن كان يريد أن يكون يعلمه القرآن كله إلى أجل معلوم، فإن ابن المواز ذكر في قول مالك، لو اشترط أن يعلمه سنة أو سنتين كان ذلك لازما. قال محمد بن إبراهيم: جائز، ما لم يقل له: تعلمه في سنة أو سنتين. قال أبو الحسن: قول مالك في سماع ابن القاسم، وابن وهب، كما حكاه محمد، ورواه مطرف عن مالك، قال: وجميع علمائنا بالمدينة. وفسره محمد أنه لم يشترط استكمال القرآن في هذا [51-ب] الأجل، وتفسيره جار على الأصول في سائر الإجارات. ولكن قال ابن حبيب: قد أجاز مالك أن يشارط المعلم في الغلام على الحذقة ظاهرا أو نظرا، سميا في ذلك أجلا أو لم يسميا. ولقد قلت لأصبغ: كيف أجاز مالك الشرط على الحذقة إذا سميا لها أجلا، أرأيت إذا انقضى الأجل ولم يحذقه، ما يكون له؟ قال: يكون له أجرة مثله فيما علمه في تلك السنة، وليس على حساب الأجرة الأولى. قلت: ولا ترى هذا من شرطين في شرط؟ قال: لا، وإنما كان يدخله شرطان في شرط، لو كان عاقده على هذا اللفظ بديا، فأما إذا عاقده على أن يحذقه في سنة فإنما هو على شرط واحد، حتى يحدث بينهما الذي وصفنا من تقصيره عما شرط عليه، فيرد إلى أجرة مثله على تحذيقه إياه في أكثر من السنة، لأن أبا [52-أ] الغلام إنما كان رضي بالأجرة الأولى على أن يحذق ولده في سنة، فلما جاوز المعلم توقيت ما وقت له، لم يكن له أن يأخذ على التأخير ما سمي له على التعجيل، وكان ذلك مظلمة على أبي الغلام، إن أخذ ذلك منه. وإنما الذي لا يجوز فيه التوقيت مع الحذقة، أن يوقت وقتا ضيقا يرى ويخشى أنه لا يبلغ ذلك فيه لضيقه، فالعذر والخطر يدخله. قال أبو الحسن: وفرق أصبغ في هذا الجواب بين معلم الكتاب وبين الخياط يشترط الفراغ في أجل معلوم، فأجراه مجاري الإجارة الداخلة في معاني البيوع على ما استحسن، إذا كان الأجل المؤقت يمكن الفراغ مما اشترط عليه فيه قبل ذهاب الوقت، فلا باس به؛ كذا قال في المعلم والخياط. وقضيته للمعلم، إذا تم الأجل قبل تمام الحذقة بأجرة مثله ليس على حساب ما استؤجر [52-ب]، صواب مستقيم.

ذكر ما أراد بيانه من سياسة معلم الصبيان

وقيامه عليهم، وعدله فيهم، ورفقه بهم، وهل يستعين بهم فيما بينهم، أو لنفسه، وهل يوليهم غيره إن احتاج إلى ذلك؟ وهل يشتغل مع غيره معهم أو يشتغل له؟ وكيف يرتب لهم أوقاتهم لدرسهم، وكتابتهم، وكيف محوهم ألواحهم، وأكتافهم، وأوقات بطالتهم لراحتهم، وحد أدبه إياهم، وعلى من الآلة التي بها يؤدبهم، والمكان الذي فيه يعلمهم؟ وهل يكون ذلك في مسجد؟ وهل يشترك معلمان أو أكثر؟ وهل يدرس الصبيان في حزب واحد مجتمعين؟ وهل يمسون المصحف وهم على غير طهر، ويعلمون الوضوء لمس المصحف، ويصلون في جماعة يؤمهم أحدهم؟

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٢٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٢٩