تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

فافهم، فقد بينت لك وجوه جواز أخذ الإجارة على تعلم القرآن، وما يجوز أن يعلم بالأجر، وما يكره من ذلك للمعلم والمتعلم، وما اختلف أصحابنا فيه من كراهية له أو توسعة، ليستبين طالب الحلال ما يصفو له به الحال في أجرة التعليم، وما ينزه منه ذو الورع من ذلك. وبينت لك ما ينبغي للمسلم أن يتعلمه أو يعلمه لولده وما يختلف من ذلك.

ومن ذلك أيضا قال ابن وهب: سمعت مالكا سئل عن الذي يجعل ابنه في كتاب العجم، يعلمه به الوقف، فقال: لا. فقيل له: فهل يعلم المسلم النصراني؟ فقال: لا. فقيل له: فيعلم أبناء المشركين الخط؟ فقال: لا. ولابن وهب أيضا في تاريخ سنة ثلاثة وسبعين قال: وقال مالك: لا أرى أن يترك أحد من اليهود والنصارى يعلم المسلمين القرآن [48-أ]. قال أبو الحسن: إن كان معنى هذا القرآن الذي أنزل على محمد

صلى الله عليه وسلم

ن فيمكن النهي عن ذلك، والمسلم ينهى أن يعلم الكافر القرآن. قال الله سبحانه وتعالى:

إنه لقرآن كريم * في كتاب مكنون * لا يمسه إلا المطهرون (الواقعة: 77-79) فالكافر نجس، ولذلك ينهى أن يعلموا الخط العربي، والهجاء العربي؛ لأنهم يصلون بذلك إلى مس المصحف إذا أرادوه. وإن كان إنما أراد مالك لا يتركوا أن يعلموا كتابهم المسلمين، فيصح أيضا منعهم من ذلك، لأنهم غير مأمونين على كتابهم. قد جاء كعب الأحبار إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقام بين يديه، فاستخرج من تحت يده مصحفا قد تشرمت حواشيه، فقال: يا أمير المؤمنين في هذه التوراة، أفأقرؤها؟ فسكت عمر طويلا، فأعاد عليه كعب مرتين أو ثلاثا، فقال [48-ب] عمر: إن كنت تعلم أنها التوراة التي أنزلت على موسى بن عمران يوم طور سيناء، فاقرأها آناء الليل وآناء النهار، وإلا فلا. فراجعه كعب، فلم يزده عمر على هذا. وكعب قد بان فضله في الإسلام في فقهه في الدين، فلم يطلق له عمر ما سأله فيه، إنما رد الأمر في ذلك إليه، ثم لم يذكر عن كعب أنه دام على دراسة ذلك المصحف.

52

والله أعلم ما صنع ذلك. وأما المقيم على كفره فهو بعيد من أن يؤمن على كتاب الله، أو على أولاد المسلمين، ليعلمهم شيئا ما، أو يخالط صبيان المسلمين صبيان الكافرين في تعليم كل ما قدمنا؛ عن ابن وهب عن مالك يمنع من ذلك. وفي الموازية:

53

وكره مالك أن يطرح المسلم ولده في كتاب النصارى؛ ولسحنون قال: ولا يجوز للمعلم [49-أ] أن يعلم أولاد النصارى الكتاب ولا القرآن. وقال ابن حبيب قيل لمالك: أيعلم أبناء المشركين الخط دون القرآن؟ فقال: لا، وعظم فيه الكراهية. وقال ابن حبيب: وكل من لقيت يكرهون ذلك، ويرون للإمام العدل أن يغير ذلك ويعاقب عليه، ومن فعله من جهال المعلمين فذلك طارح شهادته، موجب لسخطته، لمسهم لكلام الله وكتابه وهم أنجاس.

والذي وصفت لك أيضا في هذا الفصل صواب كله. وقد وصفت لك فيما تقدم احتجاج سحنون في الإباء من تحذير الإجارة على تعليم الفقه والفرائض وغير ذلك مما فرق بينه وبين الإجارة على تعليم القرآن؛ فافهمه، إذا مررت به، فإنه حسن، أخبر فيه أن القرآن لتعلمه غاية ينتهى إليها، والفقه وغيره من العلوم ليس له غاية. يريد أن القرآن [49-ب] إنما يتعلم استظهاره، وهو شيء مجموع، إن يشرط استكماله، فله غاية وهو ما حواه المصحف المجتمع عليه من سور القرآن المعدودة. والفقه إنما التعلم به الفهم فيه، وهو شيء لا يحاط به، ولا يعرف من الفهم جزء مقتصر عليه. والنحو مثله. وكل شيء يحتاج إلى الاستنباط منهم بالفهم فيه، فهذه سبيله؛ وقد يرى الفهم فيه شيئا ثم ينتقل عنه بعد ذلك لمعنى يحدث عند المتفهم فتبعد الغاية فيه، ويختلف عليه. وأما ما

54

طريقه حفظه، كالشعر وما أشبهه من مقالات العرب يستأجره ليحفظ ذلك ظاهرا، فوجه الكراهية فيه أنه إنما يراد ليفهم منهم ما يستعان به، والتفهم فيه أيضا لا غاية له، واستظهاره لغير التفهم أي فائدة فيه؟ وأي أجر يؤجر عليه؟ وليس هو كالقرآن. فإن [50-أ] قلت ليستظهر حفظ حروفه خاصة، ثم ينظر في تفهمه بعد استظهاره بغير أجر على يدي غير هذا المعلم، فاعلم أن الباب المكروه، لا وجه إلى أن يستثنى منه شيء إلا بتوقيف، ولا يحمى الباب إلا بمنع جميعه، وإن دخل فيه ما لا تقوى حجته إلا لإحماء الباب؛

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسي · الصفحة ١٢٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

التربية في الإسلام: التعليم في رأي القابسيص ١٢٨