قال ذلك ابن الربيع وضم إلى رأيه معه علي بن عيسى بن ماهان والسندي وغيرهما ممن بحضرته.
ومن المعقول أن تفترض أن الفضل مضى في الإيقاع على هذه النغمة ثنيا بعد ثني، ومرة إثر أخرى، وقدح في ذلك قريحته، واستخدم شتى وسائل أمثاله ونظرائه حتى أزال محمدا عن رأيه، وقد ذكر المؤرخون أن أول ما بدأ به محمد عن رأي الفضل بن الربيع فيما دبر من ذلك، أن كتب إلى جميع العمال في الأمصار كلها بالدعاء لابنه موسى بالإمرة بعد الدعاء له، وللمأمون والقاسم بن الرشيد.
والآن، بعد أن وقفت على تصرف محمد وجماعة محمد مع المأمون وجماعة المأمون، لك أن تستنبط ما يفعله الفريق الآخر إجابة على تصرف الفريق الأول، ولك أن تنتظر من المأمون أن يدبر أمره تدبير من يرى أن أخاه يدبر عليه خلعه، ولك أن تنتظر مثل ذلك من جماعة المأمون وأنصاره.
وهكذا تنبئنا حوادث السنة نفسها؛ إذ ينبئنا الطبري أن فيها قطع المأمون البريد عن محمد، وفيها أسقط اسمه من الطرز، وفيها لحق رافع بن الليث بالمأمون، وهو من سلالة نصر بن سيار لما انتهى إليه من الخبر عن المأمون، وحسن سيرته في أهل عمله، وإحسانه إليهم، فيما يرويه المؤرخون، أو سعي المأمون ورجالات المأمون كهرثمة وطاهر في إصلاح ما بينه وبين المأمون، وطلب الأمان له؛ ليكون عدة وظهيرا للحزب المأموني، كما نستسيغه نحن ونستخلصه، وفيها ولى المأمون هرثمة رياسة الحرس، ولهرثمة مكانته وشهرته، وله سيرته ونجدته، ولرافع بيته وأنصاره، وكتائبه وفرسانه، كما أن لطاهر بن الحسين حزمه وشجاعته وفروسته ومرانه، ولابن سهل بلا ريب حذقه في تصرفاته التي بمثلها ترد الأهواء الشاردة، وتستصرف الأبصار الطامحة، وعلى رأسهم أو إلى جانبهم إن شئت المأمون، وقد تسربل بالثوب الذي نصح إليه بلبسه، فأضحى محمود الشيم، مرضي الخلال، وهو باستعداده ونزعته ذلك الرجل السياسي المعتدل المزاج، الهادئ الأعصاب، السديد التصرف، السمح الأخلاق، اللين العريكة، الكريم المهزة، مع أناة وجلد وعزم وحزم ونفاذ ومضاء.
ومن المعقول أيضا أن ينكر الأمين ذلك من ناحيته أيضا، والمعقول أن يبدأ بالتدبير على المأمون ليصدف عنه قلوب رجاله، وأن تتسلسل الحلقات وتستطرد الإجراءات المحتومة الوقوع في مثل هذه الحالات.
وربما كنا على حق إذا قلنا: إن النزاع أضحى بين الفضلين؛ ابن سهل وابن الربيع، وانقلب عنيفا أعظم العنف، فقد كان بين كفايتين لا يعرفان الونية والتضجيع،
2
ولهما من الحصافة وثقوب البصيرة، ومن سعة الحيلة وفدح الختل، ومن وفرة الحنكة وغناء الاختبار، ومن مضاء العزيمة وثروة الذهن، لهما من ذلك كله وما إلى ذلك من شتى الصفات السياسية ما لا قبل لأحدهما به من صاحبه، فلكل من صاحبه بواء ونديد، ومنازل عنيد، وكمي صنديد.
انظر إلى الأمين قد كتب إلى العباس بن عبد الله بن مالك، وهو عامل المأمون على الري، وأمره بأن يبعث إليه بغرائب غروس الري، فبعث إليه المسكين بما أمره به، غير عالم أن للمأمون ورجاله عيونا وأرصادا، ولهم قبل ذلك يقظتهم التي لا تني ولا تغفل، فماذا كان من المأمون؟
بلغ المأمون ما كان من عامله الساذج المسكين فعزله، ووجه مكانه الحسن بن علي المأموني، وأردفه بالرسغي على البريد، وهكذا حاولت الديبلوماتيقية «الربيعية» أن تصرف قلب عامل كبير عن أمر المأمون والقضية المأمونية؛ نكاية بالديبلوماتيقية «السهلية» التي اكتسبت رافعا وضمت إلى حزبها بيت ابن سيار، وناهيك ببيت ابن سيار!
ولنتطرق الآن إلى التكلم عن الحرب الكلامية التي نشبت بين الأخوين، والتي كانت بلا ريب مقدمة لوقوع الحرب العامة، وبعبارة أدق: لنتكلم عن الوفود السياسية محاولين على قدر استطاعتنا، واستنادا إلى ما بين أيدينا من مصادر ووثائق وصف الكفايات السياسية في ذلك العصر الغني حقا برجالاته ودهاته. (4) الوفود السياسية