تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

لنتساءل أولا: ماذا حدث في السنة التي نحن في صددها، وهي سنة أربع وتسعين ومائة؟ فإنها مليئة - والحق يقال - بمنتجات هاتين العقليتين العاتيتين حقا، الجبارتين بلا مبالغة ولا إغراق، ونعني بهما عقليتي الفضل بن الربيع والفضل بن سهل.

حدث أن وجه الأمين وفدا سياسيا إلى المأمون قوامه العباس بن موسى، وصالح صاحب المصلى، ومحمد بن عيسى بن نهيك، وطلبوا إليه تقديم موسى بن الأمين الذي سماه «الناطق بالحق» على نفسه، وقد يكون من الطريف الممتع حقا أن نوضح ما كان من أمر هذا الوفد، وهل وفق الحزب المأموني فيما حاول من الأخذ بقلوب رجاله، أو بعضهم على الأقل؟ فإن في توضيحنا لذلك ما يمدنا بصورة لا بأس في جملتها، من صور الديبلوماتيقية في ذلك العصر، وإن في تفهمنا هذه الصورة ووقوفنا عليها نفعا عظيما يعيننا، بلا ريب، على تفهم العصر وروح سياسته.

يحدثنا التاريخ أن العباس بن موسى، أحد رجال الوفد الأميني، قال للمأمون: «وما عليك أيها الأمير من ذلك، أي من تقديم موسى عليه، فهذا جدي عيسى بن موسى قد خلع، فما ضره ذلك؟!» ويحدثتا أيضا بأن الفضل بن سهل كان موجودا، كما هو المنتظر، في ذلك المؤتمر السياسي، وأنه لما سمع كلمة العباس هذه صاح به: «أسكت فجدك كان في أيديهم أسيرا، وهذا بين أخواله وشيعته!»

أتعرف ماذا كان من أمر الوفد؟

إنه قد انصرف، ولكن لا إلى الأمين، بل إلى منازل خصصها لهم المأمون، حيث أفرد لكل واحد من أعضاء الوفد منزلا، وأكرمهم مثل ذلك النوع من الإكرام السياسي الذي تتلقى به الحكومات الحاضرة الوفود السياسية، فتأمل.

ثم لننظر معا، معتصمين بالأناة والصبر قليلا، في تصرف الفريق الآخر في السنة عينها، فنرى أن الوفد قد عاد إلى الأمين وأخبره بامتناع المأمون، فألح عليه الفضل به الربيع وعلي بن ماهان في البيعة لابنه موسى «الناطق بالحق»، وخلع المأمون، فأجاب الأمين إلى ذلك، وأحضن ابنه علي بن موسى الذي ولاه العراق، وتسارع بعض ولاة الأمين في انتهاز الفرصة للتقرب منه، والتحبب إليه بالمبادرة بأخذ البيعة له قبلهم، وقد كان أول من فعل ذلك بشر بن السعيد الأزدي وصاحب مكة وصاحب المدينة.

لم يكتف الفضل بهذا ولا بالكثير من أمثاله مما ينتظر من مثله في مثل تلك الظروف، من نهيه عن ذكر عبد الله المأمون والقاسم بن الرشيد، وحظر الدعاء لهما على شيء من المنابر، بل دس من ذكر المأمون بسوء، وحط من قدره، ولصق به أقبح النقائص والمثالب، ووصمه بأشنع الوصمات والمعايب.

ولم يكتب الفضل بهذا، بل وجه إلى مكة كتابا مع محمد بن عبد الله، أحد سدنة البيت الحرام، فأتاه بالكتابين اللذين كان الرشيد كتبهما لعبد الله المأمون على محمد الأمين، وكان حظهما من الأمين لما صارا إليه حظ غيرهما من العهود في ذلك العصر، و«المعاهدات» و«قصاصات الورق» في عصرنا الحاضر، فمزقهما وأبطلهما، وأجاز سارقهما.

ثم تعال معي لننظر معا نظرة إنعام وترو في مشاورة المأمون لشيعته، حينما حزبه الأمر، وضاق به السبيل، فهي لعمرك آية في الحكمة والمهارة السياسية.

يقول الطبري: «كان محمد، فيما ذكر، كتب إلى المأمون، قبل مكاشفة المأمون إياه بالخلاف عليه، يسأله أن يتجافى له عن كور من كور خراسان سماها، وأن يوجه العمال إليها من قبل محمد، وأن يحتمل توجيه رجل من قبله يوليه البريد عليه ليكتب إليه بخبره، فلما ورد إلى المأمون الكتاب بذلك كبر ذلك عليه واشتد، فبعث إلى الفضل بن سهل وإلى أخيه الحسن فشاورهما في ذلك، فقال الفضل: «الأمر خطير، ولك من شيعتك وأهل بيتك بطانة، ولهم تأنيس بالمشاورة، وفي قطع الأمل دونهم وحشة، وظهور قلة ثقة، فرأي الأمير في ذلك»، وقال الحسن: كان يقال: «شاور في طلب الرأي من تثق بنصيحته، وتألف العدو فيما لا اكتتام له بمشاروته.»

عصر المأمون · الصفحة ١٠٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٠٠