تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أنابت ورقت عند ذاك قلوب

فأبكى عيون الناس أبلغ واعظ

أغر بطاحي النجار نجيب

مهيب عليه للوقار سكينة

جريء جنان لا أكع هيوب

ولا واجب فوق المنابر قلبه

إذا ما اعترى قلب النخيب وجيب

إذا ما علا المأمون أعواد منبر

فليس له في العالمين ضريب

تصدع عنه الناس وهو حديثهم

تحدث عنه نازح وقريب

شبيه أمير المؤمنين حزامة

إذا وردت يوما عليه خطوب

إذا طاب أصل في عروق مشاجه

فأغصانه من طيبه ستطيب

فقل لأمير المؤمنين الذي به

يقدم عبد الله فهو أديب

كان لم تغب عن بلدة كان واليا

عليها ولا التدبير منك يغيب

تتبع ما يرضيك في كل أمره

فسيرته شخص إليك حبيب

ورثتم بني العباس إرث محمد

فليس لحي في التراث نصيب

فلما وصلت هذه الأبيات إلى الرشيد أمر لأبي محمد بخمسين ألف درهم، ولابنه محمد بن أبي محمد بمثلها. •••

وبعد، فليس من شك في نجابة المأمون وتبريزه، ولعل هذه النجابة الخارقة كانت من الأسباب التي حملت الرشيد على أن يستوثق له الأمر في ولاية العهد من أخيه، ولأخيه منه، فجمعهما في بيت الله الحرام حين حج عام ست وثمانين ومائة، ومعه كبار رجال الدولة وجل الظاهرين من الأسرة المالكة، واستكتب كليهما عهدا بما له وعليه قبل الآخر، وأشهد عليهما جماعة من ذوي المكانة والنفوذ، ثم علق العهدين في الكعبة، ليكونا في مكان الاحترام الديني، وقد أثبتنا لك العهدين في باب المنثور من الكتاب الثالث في مجلدنا الثالث.

نقول: لعل هذه النجابة الخارقة كانت من الأسباب التي حملت الرشيد على أن يفعل ما فعل من استيثاق الأمر بين الأخوين؛ خوفا على المأمون ومنه.

ولسنا ننكر أن من جملة تلك الأسباب ما يصح افتراضه من أن الرشيد كان يقدر قوة حزبي المأمون والأمين، وبعبارة أخرى: حزبي الفرس والعرب، أو العلوية والهاشمية، أو الشيعية والسنية.

ونحن لا نستطيع أن نرجع مظاهر العطف المختلفة، وفي مناسبات كثيرة، من الرشيد على المأمون إلى الأبوة وحدها، فإن للرشيد أولادا غير المأمون وغير الأمين لم ينالوا شيئا من هذه الحظوة العظيمة لديه؛ لذلك نرى - وقد ترى معنا رأينا - أن هذه الحظوة التي ينالها المأمون من الرشيد في مناسبات كثيرة دون إخوته ترجع إلى ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وميل إلى جد الأمور، وترفع عن سفسافها، وسمو عن دناياها ، واضطلاع بما يكلف القيام به من أعباء ومهام.

ولعل أظهر مظاهر العطف من الرشيد على المأمون ما فعله الرشيد حين وافته منيته ب «طوس»، من وصيته بجميع ما كان معه من جند وسلاح ومال للمأمون دون أن يكون لخليفته من بعده؛ ليشد بذلك من أزر المأمون، ويقوي من جانبه، وأنت جد عالم بما قدمناه لك، من الكلام في العصر الأموي، عن أثر المال، فتقدر معنا ما كان يرومه الرشيد، ولست في حاجة لأن أقول لك: إن أثر المال وسلطانه في نفوذ الكلمة وقوة الشوكة دونه كل أثر وكل سلطان.

ولعلنا لا نعدو الواقع كثيرا حين نذهب إلى القول بأن الرشيد كان يحذر الخلاف بين الأخوين، ويخاف كليهما على الآخر، يخاف الأمين على المأمون؛ لأن الأمين سيصبح الخليفة الذي بيده قوة الدولة من جند ومال، وتصحبه مزاياها من عظم الهيبة ونفوذ الكلمة، وسيكون مطمح آمال الآملين وموضع رجاء الراجين.

ومن شأن كل هذا أن يجعل الناس جميعا أو الأكثرية الساحقة منهم يلتفون حوله رغبة أو رهبة، وجدير بمن كان هذا شأنه أن يخشى ويتقى.

ويخاف المأمون على الأمين؛ لأن ما امتاز به المأمون من نجابة خارقة، وجد وحنكة، وعرفان بشئون الحياة واضطلاع، واعتداد بنفسه يجعل منه خطرا شديدا على الأمين جديرا بأن يخشى ويتقى أيضا، ويظهر أن كل هذا وقر في نفس الرشيد الذي كان معروفا بالحزم وجودة الحدس، وقوة البصر بالعواقب، فأراد أن يتقيه، ورأى أن خير وسيلة لاتقائه، أن يستكتبهما العهدين، كما قدمنا، فيقطع بذلك أسباب الخلاف بين الأخوين، ويحول دون دس الدساسين، وسعاية الساعين، ويفهم أنصار الفريقين ما للبيعة بين الأميرين من حرمة وتوقير.

عصر المأمون · الصفحة ٩٤

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٩٤