وهل ينبت الخطي إلا وشيجه
وتغرس إلا في منابتها النخل
ويحدثنا التاريخ أيضا عن المأمون صبيا، أن الرقاشي هجاه حين مدح الأمين بقوله:
لم تلده أمة تع
رف في السوق التجارا
لا ولا حد ولا خا
ن ولا في الخزي جارا
يعرض بالمأمون لأن الرشيد كان قد حده في جارية أو في خمر.
ومهما يكن من شيء في صبا المأمون فقد كانت ظاهرة فيه مخايل النجابة والذكاء والحزم، وحسن التدبير، وجودة الحدس، والطموح إلى الكمال.
وقد يجد الذين يذهبون إلى أن في تلقيح الأجناس تحسينا للنوع حجة ظاهرة في المأمون لمذهبهم؛ إذ لا تعوزهم الوسيلة في أن يرجعوا نجابته إلى أنه من أم فارسية وأب عربي، أو بعبارة أخرى: إلى أنه قد جمع بين الدم الآري والدم
2
السامي.
هذه المخايل حببته إلى الرشيد وجعلته يقدره قدره، فجعله ولي عهد الخلافة بعد أخيه الأمين، وجمعت حوله طائفة من ذوي الهمم الشماء الذين توسموا فيه محققا لأطماعهم الواسعة.
ومن أظهر هؤلاء الذين التفوا حوله لتحقيق مطامعهم الفضل بن سهل الذي اتخذ يحيى بن خالد البرمكي وسيلة إلى الرشيد في أن يكون في خدمة المأمون، وحسبك أن تعلم من أمر الفضل هذا، أنه القائل حين سئل عن السعادة: إنها أمر جائز وكلمة نافذة! وأنه الذي قال له مؤدب المأمون يوما في أيام الرشيد: إن المأمون لجميل الرأي فيك، وإني لا أستبعد أن يحصل لك من جهته ألف ألف درهم، فاغتاظ من ذلك وقال له: ألك علي حقد؟ ألي إليك إساءة؟! فقال المؤدب: لا والله ما قلت هذا إلا محبة لك، فقال: أتقول لي: إنك تحصل منه ألف ألف درهم؟ والله ما صحبته لأكتسب مالا قل أو جل، ولكن صحبته ليمضي حكم خاتمي هذا في الشرق والغرب! قال: فوالله ما طالت المدة حتى بلغ ما أمل.
حسبك أن نذكر لك هذا من أمر الفضل بن سهل لتعلم ما لهذا الرجل من همة وثابة، وعزيمة مرهفة مضاءة، ومطالع واسعة، وحسبك أن نذكر لك ما وصفه به أحد معاصريه، وهو إبراهيم بن العباس؛ لتقدر الرجل وتقدر كفايته، قال:
يمضي الأمور على بديهته
وتريه فكرته عواقبها
فيظل يصدرها ويوردها
فيعم حاضرها وغائبها
وإذا ألمت صعبة عظمت
فيها الرزية كان صاحبها
المستقل بها وقد رسبت
ولوت على الأيام جانبها
وعدلتها بالحق فاعتدلت
ووسعت راغبها وراهبها
وإذا الحروب بدت بعثت لها
رأيا تفل به كتائبها
رأيا إذا نبت السيوف مضى
عزم بها فشفى مضاربها
وإذا الخطوب تأثلت ورست
هدت فواضله نوائبها
وإذا جرت بضميره يده
أبدت به الدنيا مناقبها
يقول الفخري: قالوا لما رأى الفضل بن سهل نجابة المأمون في صباه، ونظر في طالعه - وكان خبيرا بعلم النجوم - فدلته النجوم على أنه سيصير خليفة، لزم ناحيته وخدمه ودبر أموره حتى أفضت الخلافة إليه فاستوزره.
وسواء أكان مرجع اتصاله بالمأمون إلى خبرته بالنجوم أم إلى جودة حدسه، فقد اتصل بالمأمون وهو صبي، وكان الحامل له على أن يكون في خدمته تحقيق آمال كبار، رأى بكياسته وحذقه في نجابة المأمون خير كفيل بتحقيقها.
ولقد كان استعداد المأمون الفطري منذ نشأته أن يكون رجل جماعة وقائد أمة؛ إذ قد حبته الطبيعة فيما حبته من شتى المواهب موهبة الخطابة والتبريز فيها، فقد أخبرنا محمد بن العباس اليزيدي، قال: حدثني عمي عبد الله وأخي أحمد قالا: لما بلغ المأمون وصار في حد الرجال أمرنا الرشيد أن نعمل له خطبة يقوم بها يوم الجمعة، فعملنا له خطبته المشهورة، وكان جهير الصوت حسن اللهجة، فلما خطب بها رقت له قلوب الناس، وأبكى من سمعه، فقال أبو محمد اليزيدي يمدح المأمون:
لتهن أمير المؤمنين كرامة
عليه بها شكر الإله وجوب
بأن ولي العهد مأمون هاشم
بدا فضله إذ قام وهو خطيب
ولما رماه الناس من كل جانب
بأبصارهم والعود منه صليب
رماهم بقول انصتوا عجبا له
وفي دونه للسامعين عجيب
ولما وعت آذانهم ما أتى به