تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

صلى الله عليه وسلم ، ويرغب إلى الله في التوفيق لطاعته، وحسن المعونة، على صالح نيته برحمته.

وقد تدبر أمير المؤمنين ما كتبت به من أسماء من سألت عن القرآن، وما رجع إليك فيه كل امرئ منهم، وما شرحت من مقالتهم؛ فأما ما قال المغرور بشر بن الوليد في نفي التشبيه، وما أمسك عنه من أن القرآن مخلوق، وادعى من تركه الكلام في ذلك واستعهاده أمير المؤمنين، فقد كذب بشر في ذلك وكفر، وقال الزور والمنكر، ولم يكن جرى بين أمير المؤمنين وبينه في ذلك، ولا في غيره، عهد ولا نظر أكثر من إخباره أمير المؤمنين من اعتقاده كلمة الإخلاص والقول بأن القرآن مخلوق، فادع به إليك، وأعلمه ما أعلمك به أمير المؤمنين من ذلك، وانصصه عن قوله في القرآن، واستتبه منه، فإن أمير المؤمنين يرى أن تستتبب من قال بمقالته إذ كانت تلك المقالة الكفر الصراح والشرك المحض عند أمير المؤمنين، فإن تاب منها فأشهر أمره، وأمسك عنه، وإن أصر على شركه، ودفع أن يكون القرآن مخلوقا بكفره وإلحاده، فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه، إن شاء الله، وكذلك إبراهيم بن المهدي فامتحنه بمثل ما تمتحن به بشرا، فإنه كان يقول بقوله، وقد بلغت أمير المؤمنين عنه بوالغ، فإن قال إن القرآن مخلوق، فأشهر أمره واكشفه، وإلا فاضرب عنقه، وابعث إلى أمير المؤمنين برأسه إن شاء الله.

وأما علي بن أبي مقاتل فقل له: ألست القائل لأمير المؤمنين إنك تحلل وتحرم والمكلم له بمثل ما كلمته به، مما لم يذهب عنه ذكره؟! وأما الذيال بن الهيثم، فأعلمه أنه كان في الطعام الذي كان يسرقه في الأنبار، وفيما يستولي عليه من أمر مدينة أمير المؤمنين أبي العباس ما يشغله، وأنه لو كان مقتفيا آثار سلفه، وسالكا مناهجهم، ومحتذيا سبيلهم، لما خرج إلى الشرك بعد إيمانه. وأما أحمد بن يزيد المعروف بأبي العوام، وقوله إنه لا يحسن الجواب في القرآن، فأعلمه أنه صبي في عقله، لا في سنه، جاهل، وأنه إن كان لا يحسن الجواب في القرآن فسيحسنه، إذا أخذه التأديب، ثم إن لم يفعل كان السيف من وراء ذلك إن شاء الله.

وأما أحمد بن حنبل، وما تكتب عنه، فأعلمه أن أمير المؤمنين قد عرف فحوى تلك المقالة، وسبيله فيها، واستدل على جهله، وآفته بها؛ وأما الفضل بن غانم، فأعلمه أنه لم يخف على أمير المؤمنين ما كان منه بمصر، وما اكتسب من الأموال في أقل من سنة، وما شجر بينه وبين المطلب بن عبد الله في ذلك، فإنه من كان شأنه شأنه، وكانت رغبته في الدينار والدرهم رغبته، فليس بمستنكر أن يبيع إيمانه طمعا فيهما، وإيثارا لعاجل نفعهما، وإنه مع ذلك القائل لعلي بن هشام ما قال، والمخالف له فيما خالفه فيه، فما الذي حال به عن ذلك، ونقله إلى غيره؟ وأما الزيادي، فأعلمه أنه كان منتحلا لأول دعي كان في الإسلام خولف فيه حكم رسول الله

صلى الله عليه وسلم ، وكان جديرا أن يسلك مسلكه فأنكر أبو حسان أن يكون مولى لزياد، أو يكون مولى لأحد من الناس - وذكر أنه إنما نسب إلى زياد لأمر من الأمور - وأما المعروف بأبي نصر التمار، فإن أمير المؤمنين شبه خساسة عقله بخساسة متجره؛ وأما الفضل بن الفرخان، فأعلمه أنه حاول بالقول الذي قاله في القرآن أخذ الودائع التي أودعها إياه عبد الرحمن بن إسحاق وغيره، تربصا بمن استودعه، وطمعا في الاستكثار لما صار في يده، ولا سبيل عليه عن تقادم عهده، وتطاول الأيام به، فقل لعبد الرحمن بن إسحاق: لا جزاك الله خيرا عن تقويتك مثل هذا، وائتمانك إياه، وهو معتقد للشرك، منسلخ من التوحيد.

وأما محمد بن حاتم، وابن نوح، والمعروف بأبي معمر، فأعلمهم أنهم مشاغيل بأكل الربا، عن الوقوف على التوحيد، وأن أمير المؤمنين لو لم يستحل محاربتهم في الله ومجاهدتهم، إلا لإربائهم، وما نزل به كتاب الله في أمثالهم، لاستحل ذلك، فكيف بهم وقد جمعوا مع الإرباء شركا، وصاروا للنصارى مثلا؛ وأما أحمد بن شجاع، فأعلمه أنك صاحبه بالأمس، والمستخرج منه ما استخرجته من المال الذي كان استحله من مال علي بن هشام، وأنه ممن الدينار والدرهم دينه؛ وأما سعدويه الواسطي فقل له: قبح الله رجلا بلغ به التصنع للحديث، والتزين به، والحرص على طلب الرياسة فيه، أن يتمنى وقت المحنة فيقول بالتقرب بها: متى يمتحن فيجلس للحديث. وأما المعروف بسجادة، وإنكاره أن يكون سمع ممن كان يجالس من أهل الحديث، وأهل الفقه، القول بأن القرآن مخلوق، فأعلمه أنه في شغله بإعداد النوى، وحكه لإصلاح سجادته، وبالودائع التي دفعها إليه علي بن يحيى وغيره ما أذهله عن التوحيد وألهاه، ثم سله عما كان يوسف بن أبي يوسف، ومحمد بن الحسن، يقولانه إن كان شاهدهما وجالسهما؛ وأما القواريري ففيما تكشف من أحواله، وقبوله الرشا والمصانعات ما أبان عن مذهبه، وسوء طريقته، وسخافة عقله ودينه، وقد انتهى إلى أمير المؤمنين أنه يتولى لجعفر بن عيسى الحسني مسائله، فتقدم إلى جعفر بن عيسى في رفضه، وترك الثقة به، والاستنامة إليه.

عصر المأمون · الصفحة ٣٦٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٦٥