تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

والزم الطريق الأعظم، ولا تعدون المراحل، فإن ذلك أرفق بك؛ ومر أسد بن يزيد، أن يتخير رجلا من أهل بيته أو قواده، فيصير إلى مقدمته، ثم يصير أمامه، لتهيئة المنازل، أو بعض الطريق، فإن لم يحضرك في عسكرك بعض من سميت، فاختر لمواضعهم من تثق بطاعته، ونصيحته وهيبته، عند العوام؛ فإن ذلك لن يعوزك، من قوادك وأنصارك، إن شاء الله.

وإياك أن تنفذ رأيا، أو تبرم أمرا، إلا برأي شيخك، وبقية آبائك، الفضل بن الربيع، وأقرر جميع الخدم على ما في أيديهم من الأموال والسلاح والخزائن وغير ذلك؛ ولا تخرجن أحدا منهم، من ضمن ما يلي، إلى أن تقدم علي. وقد أوصيت بكر بن المعتمر بما سيبلغكه؛ واعمل في ذلك بقدر ما تشاهد وترى. وإن أمرت لأهل العسكر بعطاء أو رزق فليكن الفضل بن الربيع المتولي لإعطائهم، على دواوين يتخذها لنفسه، بمحضر من أصحاب الدواوين؛ فإن الفضل بن الربيع لم يزل مثل ذلك لمهمات الأمور. وأنفذ إلي عند وصول كتابي هذا إليك إسماعيل بن صبيح، وبكر بن المعتمر، على مركبيهما من البريد؛ ولا يكون لك عرجة ولا مهلة، بموضعك الذي أنت فيه، حتى توجه إلي بعسكرك بما فيه من الأموال والخزائن إن شاء الله. أخوك يستدفع الله عنك، ويسأله لك حسن التأييد برحمته. وكتب بكر بن المعتمر بين يدي وإملائي في شوال سنة 192ه. (2) القول بخلق القرآن

وهاك مثلا مما كتبه المأمون إلى ولاته في الأخذ بمذهبه في القول بخلق القرآن، وهو ما أرسله إلى عالمه إسحاق بن إبراهيم وما يرويه لنا الطبري مما حصل.

أما الكتاب فهو:

أما بعد، فإن حق الله على أئمة المسلمين وخلفائهم الاجتهاد في إقامة دين الله الذي استحفظهم، ومواريث النبوة التي أورثهم، وأثر العلم الذي استودعهم، والعمل بالحق في رعيتهم، والتشمير لطاعة الله فيهم؛ والله يسأل أمير المؤمنين، أن يوفقه لعزيمة الرشد وصريمته، والإقساط فيما ولاه الله من رعيته، برحمته ومنته؛ وقد عرف أمير المؤمنين أن الجمهور الأعظم، والسواد الأكبر، من حشو الرعية، وسفلة العامة، ممن لا نظر له ولا روية، ولا استدلال له بدلالة الله وهدايته، ولا استضاءة بنور العلم وبرهانه، في جميع الأقطار والآفاق، أهل جهالة بالله وعمى عنه، وضلالة عن حقيقة دينه وتوحيده والإيمان به، ونكوب عن واضحات أعلامه وواجب سبيله، وقصور أن يقدروا الله حق قدره، ويعرفوه كنه معرفته، ويفرقوا بينه وبين خلقه، لضعف آرائهم، ونقص عقولهم، وجفائهم عن التفكر والتذكر؛ وذلك أنهم ساووا بين الله تبارك وتعالى، وبين ما أنزل من القرآن، فأطبقوا مجتمعين، واتفقوا غير متعاجمين، على أنه قديم أول، لم يخلقه الله، ويحدثه ويخترعه، وقد قال الله عز وجل في محكم كتابه، الذي جعله لما في الصدور شفاء، وللمؤمنين رحمة وهدى:

إنا جعلناه قرآنا عربيا . فكل ما جعله الله فقد خلقه، وقال:

الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض وجعل الظلمات والنور . وقال عز وجل:

كذلك نقص عليك من أنباء ما قد سبق . فأخبر أنه قصص لأمور أحدثه بعدها، وتلا به متقدمها، وقال:

الر كتاب أحكمت آياته ثم فصلت من لدن حكيم خبير . وكل محكم مفصل، فله محكم مفصل، والله محكم كتابه ومفصله، فهو خالقه ومبتدعه؛ ثم هم الذين جادلوا بالباطل، فدعوا إلى قولهم، ونسبوا أنفسهم إلى السنة، وفي كل فصل من كتاب الله قصص من تلاوته، مبطل قولهم، ومكذب دعواهم، يرد عليهم قولهم ونحلتهم، ثم أظهروا مع ذلك أنهم أهل الحق والدين والجماعة، وأن من سواهم أهل الباطل والكفر والفرقة؛ فاستطالوا بذلك على الناس، وغروا به الجهال، حتى مال قوم من أهل السمت الكاذب، والتخشع لغير الله، والتقشف لغير الدين إلى موافقتهم عليه، ومواطأتهم على سيئ آرائهم، تزينا بذلك عندهم، وتصنعا للرياسة والعدالة فيهم، فتركوا الحق إلى باطلهم، واتخذوا دون الله وليجة إلى ضلالتهم، فقبلت بتزكيتهم لهم شهادتهم، ونفذت أحكام الكتاب بهم، على دغل دينهم، ونغل أديمهم، وفساد نياتهم ويقينهم؛ وكان ذلك غايتهم التي إليها جروا، وإياها طلبوا في متابعتهم، والكذب على مولاهم، وقد أخذ عليهم ميثاق الكتاب، ألا يقولوا على الله إلا الحق، ودرسوا ما فيه، أولئك الذين أصمهم الله، وأعمى أبصارهم،

عصر المأمون · الصفحة ٣٦١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٣٦١