تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

150

من النعمة عليكم؛ وليس أحد من أهل الصناعات كلها أحوج إلى اجتماع خلال الخير المحمودة، وخصال الفضل المذكورة المعدودة منكم.

أيها الكتاب إذا كنتم على ما يأتي في هذا الكتاب من صفتكم، فإن الكاتب يحتاج في نفسه، ويحتاج منه صاحبه الذي يثق به في مهمات أموره، أن يكون حليما في موضع الحلم، فهيما في موضع الحكم، مقداما في موضع الإقدام، محجاما في موضع الإحجام، مؤثرا للعفاف والعدل والإنصاف، كتوما للأسرار، وفيا عند الشدائد، عالما بما يأتي من النوازل؛ يضع الأمور مواضعها، والطوارق في أماكنها؛ قد نظر في كل فن من فنون العلم فأحكمه، وإن لم يحكمه أخذ منه بمقدار ما يكتفي به؛ يعرف بغريزة عقله، وحسن أدبه، وفضل تجربته، ما يرد عليه قبل وروده، وعاقبة ما يصدر عنه قبل صدروه؛ فيعد لكل أمر عدته وعتاده، ويهيئ لكل وجه هيئته وعادته. فتنافسوا يا معشر الكتاب في صنوف الآداب، وتفهموا في الدين، وابدءوا بعلم كتاب الله عز وجل والفرائض، ثم العربية فإنها ثقاف ألسنتكم، ثم أجيدوا الخط فإنه حلية كتبكم، وارووا الأشعار واعرفوا غريبها ومعانيها، وأيام العرب والعجم وأحاديثها وسيرها؛ فإن ذلك معين لكم على ما تسمو إليه هممكم، ولا تضيعوا النظر في الحساب، فإنه قوام كتاب الخراج، وارغبوا بأنفسكم عن المطامع سنيها ودنيها، وسفساف الأمور ومحاقرها؛ فإنها مذلة للرقاب، مفسدة للكتاب، ونزهوا صناعتكم عن الدناءة، واربؤا بأنفسكم عن السعاية والنميمة وما فيه أهل الجهالات.

وإياكم والكبر والسخف والعظمة، فإنها عداوة مجتلبة من غير إحنة؛ وتحابوا في الله عز وجل في صناعتكم، وتواصوا عليها بالذي هو أليق لأهل الفضل والعدل والنبل من سلفكم؛ وإن نبا

151

الزمان برجل منكم، فاعطفوا عليه وواسوه حتى يرجع إليه حاله، ويثوب إليه أمره، وإن أقعد أحدا منكم الكبر عن مكسبه ولقاء إخوانه، فزوروه وعظموه وشاوروه؛ واستظهروا بفضل تجربته، وقديم معرفته؛ وليكن الرجل منكم على من اصطنعه واستظهر به ليوم حاجته إليه أحوط منه على ولده وأخيه، فإن عرضت في الشغل محمدة فلا يصرفها إلا إلى صاحبه، وإن عرضت مذمة فليحملها هو من دونه؛ وليحذر السقطة والزلة والملل عند تغير الحال، فإن العيب إليكم معشر الكتاب أسرع منه إلى الفراء، وهو لكم أفسد منه لها؛ فقد علمتم أن الرجل منكم إذا صحبه من يبذل له من نفسه، ما يجب له عليه من حقه؛ فواجب عليه أن يعتقد له من وفائه وشكره، واحتماله ونصيحته، وكتمان سره وتدبير أمره، ما هو جزاء لحقه، ويصدق ذلك فعله عند الحاجة إليه، والاضطرار إلى ما لديه؛ فاستشعروا ذلك - وفقكم الله - من أنفسكم في حالة الرخاء، والشدة والحرمان والمواساة والإحسان والسراء والضراء؛ فنعمت الشيمة هذه لمن وسم بها من أهل هذه الصناعة الشريفة؛ وإذا ولى الرجل منكم أو صير إليه من أمر خلق الله وعياله أمر، فليراقب الله عز وجل وليؤثر طاعته؛ وليكن على الضعيف رفيقا، وللمظلوم منصفا؛ فإن الخلق عيال الله، وأحبهم إليه أرفقهم بعياله؛ ثم ليكن بالعدل حاكما، وللأشراف مكرما، وللفيء موفرا، وللبلاد عامرا، وللرعية متألفا، وعن أذاهم متخلفا؛ وليكن في مجلسه متواضعا حليما، وفي سجلات خراجه واستقضاء حقوقه دقيقا؛ وإذا صحب أحدكم رجلا فليختبر خلائقه، فإذا عرف حسنها وقبيحها أعانه على ما يوافقه من الحسن، واحتال على صرفه عما يهواه من القبيح بألطف حيلة وأجمل وسيلة.

وقد علمتم أن سائس البهيمة إذا كان بصيرا بسياستها التمس معرفة أخلاقها، فإن كانت رموحا لم يهجها إذا ركبها، وإن كانت شبوبا اتقاها من بين يديها، وإن خاف منها شرودا توقاها من ناحية رأسها، وإن كانت حرونا قمع برفق هواها في طرقها، فإن استمرت عطفها يسيرا، فيسلس له قيادها، وفي هذا الوصف من السياسة دلائل لمن ساس الناس وعاملهم وجربهم وداخلهم.

عصر المأمون · الصفحة ٢٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ٢٢٦