واعلم أن أحسن مكيدتك أثرا في العامة، وأبعدها صيتا في حسن القالة؛ ما نلت الظفر فيه بحزم الروية، وحسن السيرة، ولطف الحيلة. فلتكن رويتك في ذلك وحرصك على إصابته بالحيل لا بالقتال وأخطار التلف؛ وادسس إلى عدوك، وكاتب رؤساءهم وقادتهم وعدهم المنالات، ومنهم الولايات، وسوغهم التراث، وضع عنهم الإحن، واقطع أعناقهم بالمطامع، واستدعهم بالمثاوب؛ واملأ قلوبهم بالترهيب إن أمكنتك منهم الدوائر، وأصارتهم إليك الرواجع؛ وادعهم إلى الوثوب بصاحبهم أو اعتزاله إن لم يكن لهم بالوثوب عليه طاقة؛ ولا عليك أن تطرح إلى بعضهم كتبا كأنها جواب كتب لهم إليك، وتكتب على ألسنتهم كتبا إليك تدفعها إليهم وتحمل بها صاحبهم عليهم، وتنزلهم عنده بمنزلة التهمة ومحل الظنة؛ فلعل مكيدتك في ذلك أن يكون فيها افتراق كلمتهم، وتشتيت جماعتهم، وإحن قلوبهم، وسوء الظن من واليهم بهم، فيوحشهم منه خوفهم إياه على أنفسهم إذا أيقنوا باتهامه إياهم، فإن بسط يده فقتلهم، وأولغ سيفه في دمائهم، وأسرع الوثوب بهم، أشعرهم جميعا الخوف، وشملهم الرعب، ودعاهم إليك الهرب، فتهافتوا نحوك بالنصيحة وأموك بالطلب. وإن كان متأنيا محتملا رجوت أن يستميل إليك بعضهم ، ويستدعي الطمع ذوي الشره منهم، وتنال بذلك ما تحب من أخبارهم، إن شاء الله.
إذا تدانى الصفان، وتواقف الجمعان، واحتضرت الحرب، وعبأت أصحابك لقتال عدوهم؛ فأكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، والتوكل على الله عز وجل والتفويض إليه، ومسألته توفيقك وإرشادك، وأن يعزم لك على الرشد المنجي، والعصمة الكالئة، والحياطة الشاملة. ومر جندك بالصمت وقلة التلفت عند المصاولة، وكثرة التكبير في أنفسهم والتسبيح بضمائرهم، ولا يظهروا تكبيرا إلا في الكرات والحملات، وعند كل زلفة يزدلفونها؛ فأما وهم وقوف فإن ذلك من الفشل والجبن؛ وليذكروا الله في أنفسهم ويسألوه نصرهم وإعزازهم، وليكثروا من قول: «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم، حسبنا الله ونعم الوكيل، اللهم انصرنا على عدوك وعدونا الباغي، واكفنا شوكته المستحدة، وأيدنا بملائكتك الغالبين، واعصمنا بعونك من الفشل والعجز إنك أرحم الراحمين».
وليكن في معسكرك المكبرون في الليل والنهار قبل المواقعة، وقوم موقوفون يحضونهم على القتال ويحرضونهم على عدوهم، ويصفون لهم منازل الشهداء وثوابهم، ويذكرونهم الجنة ودرجاتها، ونعيم أهلها وسكانها، ويقولون: اذكروا الله يذكركم، واستنصروه ينصركم، والتجئوا إليه يمنعكم. وإن استطعت أن تكون أنت المباشر لتلبية جندك ووضعهم مواضعهم من رأيك، ومعك رجال من ثقات فرسانك ذوو سن وتجربة ونجدة على التعبية التي أمير المؤمنين واصفها لك في آخر كتابك فافعل، إن شاء الله تعالى.
أيدك الله بالنصر، وغلب لك على القوة، وأعانك على الرشد، وعصمك من الزيغ، وأوجب لمن استشهد معك ثواب الشهداء ومنازل الأصفياء، والسلام عليك ورحمة الله وبركاته.
وكتب سنة تسع وعشرين ومائة. (7) رسالة ثانية لعبد الحميد الكاتب
ومن رسائل عبد الحميد الرسالة التي أوصى فيها الكتاب:
149
بسم الله الرحمن الرحيم
أما بعد؛ حفظكم الله يا أهل صناعة الكتابة، وحاطكم ووفقكم وأرشدكم؛ فإن الله عز وجل جعل الناس بعد الأنبياء والمرسلين صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ومن بعد الملوك المكرمين أصنافا، وإن كانوا في الحقيقة سواء؛ وصرفهم في صنوف الصناعات، وضروب المحاولات، إلى أسباب معاشهم، وأبواب أرزاقهم، فجعلكم معشر الكتاب في أشرف الجهات، أهل الأدب والمروءات والعلم والرزانة؛ بكم تنتظم للخلافة محاسنها، وتستقيم أمورها؛ وبنصائحكم يصلح الله للخلق سلطانهم، وتعمر بلدانهم؛ لا يستغني الملك عنكم، ولا يوجد كاف إلا منكم؛ فموقعكم من الملوك موقع أسماعهم التي بها يسمعون، وأبصارهم التي بها يبصرون، وألسنتهم التي بها ينطقون، وأيديهم التي بها يبطشون؛ فأمتعكم الله بما خصكم من فضل صناعتكم، ولا نزع عنكم ما أضفاه