أما راتب القضاة فنقول: إن راتب القاضي بلغ في أيام المأمون 4000 درهم في الشهر، أي حوالي 270 دينارا، وهذا الراتب في ذاته يدل على ما وصلت إليه الثروة في ذلك العصر. وقد كنا نود أن نختص الولاة وراتبهم بكلمة لولا أن المصادر في ذلك تنقصنا، وفيما بيناه عن القضاة مقياس لمن كان في مكانتهم ولمن كان أرفع منهم أو أقل مرتبة؛ فعليك أن تفكر وتقارن.
| هوامش
الفصل السادس
| خلاصة الحياة السياسية والاجتماعية
(1) توطئة
أما أثر المال في النفوس وأثر الأحزاب السياسية وكيف تغيرت وجهات النظر في كثير من الأمور الدينية، فإنك قد وقفت على شيء من ذلك فيما سردناه لك.
على أنا نظن أنه قد آن لنا أن ندون بعض ملاحظاتنا في هذا العصر، وآن لنا أن نتكلم عن نصيب الوزراء والقواد والزعماء في هذه الدولة التي كان للوزراء والقواد والزعماء الأثر الكبير في تدعيم بنيانها وتقوية أركانها وتشييد سلطانها. (2) نكبة الوزراء
نريد أن نلاحظ أن حياة الوزراء وحياة القواد والزعماء كانت تنتهي في الغالب بنكبتهم في حياتهم أو استصفاء أموالهم.
ومع أنا نحيلك إلى بعض المصادر القيمة في هذا الموضوع مثل كتاب تحفة الأمراء في تاريخ الوزراء لأبي الحسن الهلالي بن المحسن بن إبراهيم الصابي الكاتب، وإلى ما كتب من الفصول في غيره، نريد أن نلاحظ أن جلهم قد نكبه خليفته مثل نكبة المنصور لأبي مسلم وعبد الله بن علي وأبي سلمة الخلال وأبي الجهل، ونكبته لأبي أيوب المورياني، ونكبة الربيع بن يونس الذي سمه الهادي، ونكبة المهدي ليعقوب بن داود، ونكبة الرشيد للبرامكة، والمأمون لمن رأيت.
نلاحظ ذلك ونلاحظ أن غدر الخلفاء بوزرائهم في ذلك العهد قد لاكته الألسنة وتكلمت في الشعراء؛ فقد قال بعضهم حينما قتل المتوكل وزيره محمد بن عبد الملك الزيات:
يكاد القلب من جزع يطير
إذا ما قيل قد قتل الوزير
أمير المؤمنين قتلت شخصا
عليه رحاكم كانت تدور
فمهلا يا بني العباس مهلا
لقد كويت بغدركم الصدور
كما نلاحظ أيضا تنصل شخصيات عظيمة من قبول الوزارة في ذلك العهد لما عهدوه من وخيم عواقبها، وسوء مغبة الاضطلاع بها، فقد ذكر ابن طيفور أن ثمامة بن أشرس المتكلم المعروف قال: لما قتل الفضل بن سهل بعث إلي المأمون وكنت لا أنصرف من عنده إلا الوقعة إلى منزلي، ثم يأتيني رسوله في جوف الليل فآتيه، وكان قد أهلني لمكان الفضل بن سهل من الوزارة، فلما رأيته قد ألح علي في ذلك تعاللت عليه، فقال لي: إنما أردتك لكذا وكذا، فقلت: يا أمير المؤمنين، إني لا أقوم بذلك، وأحر بي أن أضن بموضعي من أمير المؤمنين وحالي أن تزول عنده، فإني لم أر أحدا تعرض للخدمة والوزارة إلا لم يكن لتسلم حاله ولا تدوم منزلته. ورشح له أحمد بن أبي خالد الأحول، ثم انظر إلى اعتلاله عليه مرة أخرى حينما رشح له يحيى بن أكثم؛ فإنك توقن معنا بنفور رجال الدولة من الوزارة وهربهم من شركها وسوء عقباها. (3) الاستصفاء
هم ينفرون من الوزارة لأن خاتمة حياتهم كانت التقتيل كما رأيت، وينفرون منها لأن مصير أموالهم وأموال ذويهم كان في الغالب إلى الاستصفاء والاغتصاب.
ولقد عم الاستصفاء سائر رجال الحكومة حتى الرعية، وأصبحت بتوالي الأيام المصدر الأول لتحصيل المال.
فالعامل يستصفي مما للرعية، والوزير يستصفي مما للعمال، والخليفة يستصفي مما للوزراء ومما للناس على اختلاف طبقاتهم، حتى لقد أنشئوا للاستصفاء ديوانا خاصا مثل سائر دواوين الحكومة، فكان المال يتداول بالاستصفاء كما يتداول بالمتاجرة.
أما أنواع الاستصفاء ومقاديره في ذلك العصر فنترك الكلمة في هذا للوزير ابن الفرات قريب العهد بالمأمون، قال: «تأملت ما صار إلى السلطان من مالي فوجدته 10000000 دينار، وحسبت ما أخذته من الحسين بن عبد الله الجوهري بن الجصاص فكان مثل ذلك». فكأنه لم يخسر شيئا لأنهم يقبضون بالاستصفاء ويدفعون بالاستصفاء، وإذا استصفي أحدهم من مال لم يكن في وسعه أداؤه كله معجلا أجلوه بالباقي، وساعدوه على تحصيله أو جمعه برد جاهه وتغيير زيه وإنزاله في دار كبيرة فيها الفرش والآلة الحسنة؛ ليستطيع التدخل في جمع الأموال من الناس.