تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثورة نصر بن شبث

أما نصر بن شبث الذي وجه عبد الله بن طاهر لمحاربته بعد أن وجه إليه أبوه، فقد كان ممن خرجوا حين اضطرب نظام الدولة وكثرت الأراجيف ونشط أعداء المأمون خاصة والعباسيين عامة؛ لبقاء المأمون في مرو بعيدا عن عاصمة الملك وحاضرة الخلافة.

وكان من الممكن أن يكون مصير ثورة نصر مصير غيرها من الثورات التي خمدت بسرعة لولا أن طاهرا لم يجد في محاربته، وقد ذكر أنه قال للحسن بن سهل حينما ندبه للخروج إلى محاربة نصر بن شبث: حاربت خليفة، وسقت الخلافة إلى خليفة، وأؤمر بمثل هذا! وإنما كان ينبغي أن توجه لهذا قائدا من قوادي! وذكر بعض المؤرخين أن طاهرا فر كالمنهزم أمام نصر بعد معارك حامية بين جنديهما، ولكنه حرص بعد ذلك على ما بقي في يده من البلاد أن يغير نصر عليها.

ويظهر أن ما يقوله بعض المؤرخين من أن فتور طاهر في محاربة نصر بن شبث يرجع إلى الصدمة التي صدمه بها آل سهل حين حرموه من ثمار فتوحه في العراق له حظ كبير من الحق؛ فإننا لا نسيغ عجز طاهر عن مناهدة نصر وإخضاعه مع ما هو معروف عنه من الدهاء والبصر بالحرب وحسن تعبئته للجيوش، ووضع أدق الخطط لحملاتها، ومع أن وراءه الدولة تمده بما يحتاج إليه من جند وسلاح ومال.

ومهما يكن من شيء فقد كثف أنصار نصر وعظم خطره حتى ذهب إليه نفر من شيعة الطالبيين فقالوا له: قد وترت بني العباس وقتلت رجالهم، فلو بايعت لخليفة لكان ذلك أقوى لأمرك! فقال: من أي الناس؟ فقالوا: تبايع لبعض آل علي بن أبي طالب، فقال: أبايع بعض أولاد السوداوات فيقول: إنه خلقني ورزقني! قالوا: فتبايع لبعض بني أمية، قال: أولئك قوم قد أدبر أمرهم، والمدبر لا يقبل أبدا، ولو سلم علي رجل مدبر لأعداني إدباره، وإنما هواي في بني العباس، وإنما حاربتهم محاماة عن العرب لأنهم يقدمون عليهم العجم. فتأمل قوله هذا طويلا؛ فهو يميط لنا اللثام عن حقائق يجب أن نقف عليها.

يروى لنا التاريخ أن عبد الله بن طاهر الذي نهد لمحاربة نصر بن شبث كتب إلى المأمون يعلمه أنه حصره وضيق عليه وقتل رؤساء من معه، وأنه قد عاذ بالأمان وطلبه، فأمره أن يكتب له كتاب أمان، فكتب إليه أمانا نسخته: «أما بعد، فإن الإعذار بالحق حجة الله المقرون بها النصر، والاحتجاج بالعدل دعوة الله الموصول بها العز، ولا يزال المعذر بالحق المحتج بالعدل في استفتاح أبواب التأييد، واستدعاء أسباب التمكين حتى يفتح الله وهو خير الفاتحين، ويمكن وهو خير الممكنين، ولست تعدو أن تكون فيما لهجت به أحد ثلاثة: طالب دين، أو ملتمس دنيا، أو متهورا يطلب الغلبة ظلما؛ فإن كنت للدين تسعى بما تصنع فأوضح ذلك لأمير المؤمنين يغتنم قبوله إن كان حقا، فلعمري ما همته الكبرى ولا غايته القصوى إلا الميل مع الحق حيث مال، والزوال مع العدل حيث زال، وإن كنت للدنيا تقصد فأعلم أمير المؤمنين غايتك فيها، والأمر الذي تستحقها به، فإن استحققتها وأمكنه ذلك فعله بك؛ فلعمري ما يستجيز منع خلق ما يستحقه وإن عظم، وإن كنت متهورا فسيكفي الله أمير المؤمنين مؤنتك، ويعجل ذلك كما عجل كفايته مؤن قوم سلكوا مثل طريقك كانوا أقوى يدا، وأكثف جندا، وأكثر جمعا وعددا ونصرا منك، فيما أصارهم إليه من مصارع الخاسرين، وأنزل بهم من جوائح الظالمين.

وأمير المؤمنين يختم كتابه بشهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله

صلى الله عليه وسلم ، وضمانه لك في دينه وذمته الصفح عن سوالف جرائمك، ومتقدمات جرائرك، وإنزالك ما تستأهل من منازل العز والرفعة إن أنبت وراجعت إن شاء الله. والسلام».

وقد ذهب عبد الله بن طاهر إلى وجهه في محاربة نصر ولبث في مناهدته حتى اضطره إلى التسليم نحو خمس سنين، وفي أثناء هذه المدة سعى المأمون إلى إخماد الثورة من طريق الصلح، فندب جعفر بن محمد العامري ليؤدي رسالة منه إلى نصر يطلب منه فيها ترك الحرب والجنوح إلى السلم.

عصر المأمون · الصفحة ١١٩

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١١٩