تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال وركب ابن أبي خالد إلى المأمون، فلما دخل عليه قال له: ما نمت الليلة، فقال له: ولم ويحك! قال: لأنك وليت غسان خراسان وهو ومن معه أكلة رأس،

1

فأخاف أن يخرج عليك خارجة من الترك فيصطلمه؛ قال: لقد فكرت فيما فكرت فيه، قال: فمن ترى؟ قال: طاهر بن الحسين، قال: ويلك يا أحمد! أهو والله خالع؟ قال: أنا الضامن له، قال له: فأنفذه، قال: فدعا بطاهر من ساعته.

ويظهر أن المأمون، فيما ذكر الرواة، لم يكن مطمئنا مع ضمان وزيره لطاهر إلى تعيينه حاكما على خراسان، فإن بعض الرواة يقول: إن المأمون أسر إلى خصي له أمين بمرافقة طاهر حتى إذا رأى منه خروجا دس له السم.

ثم لم يلبث طاهر بعد أن تولى شئون خراسان وأدارها بحزم وسداد رأي حتى ظهر منه ما كان يخشاه المأمون من خروج وعصيان، فقد أسقط اسم المأمون من خطبة الجمعة، وذكر دعاء مبهما لنصرة الدين، فأنفذ عين المأمون عامل البريد فورا بكتاب إلى المأمون يخبره فيه بما وقع من طاهر، ثم نرى المأمون يتوقع مجيء كتاب آخر وينتظره بفارغ الصبر في اليوم التالي لورود الكتاب الأول، وقد جاءه هذا الكتاب فعلا ينعى طاهرا الذي وجد ميتا في فراشه.

ونحن نرى بعد أن ذكرنا ما ذكرنا أنه لم يبق شيء من الغموض في هذه الناحية من عصر المأمون، وأن تصرفات المأمون مع طاهر ثم خروج طاهر عليه ثم موت طاهر بعد ذلك كلها حوادث واضحة الأسباب معقولة النتائج، ولا نستطيع أن نماشي الأستاذ «ميور» الذي يرى أن على هذه الحوادث جميعها غشاء من الغموض كثيفا.

ثم رأى المأمون بعد موت طاهر أن يولي مكانة ابنه طلحة، وأن يستبقي ابنه عبد الله واليا على الجانب الغربي من الخلافة، ليقمع ما فيه من ثورات ويسكن ما به من اضطراب، ثم أرسل وزيره مع طلحة ليقوي دعائم سلطانه في ولايته، فشخص الوزير إلى ما وراء النهر وقام بحملة موفقة على بعض العصاة ثم قفل راجعا إلى بغداد مزودا، فيما يقول الرواة، بهدية نفيسة له من طلحة مقدارها ثلاث آلاف ألف درهم، ولكاتبه بأخرى مقدارها خمسمائة ألف درهم.

أما طاهر الذي توفي في فراشه، وربما كان الذي يعلم سر وفاته قبل سواه هو المأمون وبطانته؛ فقد قدمنا لك شيئا في كلمتنا عن النزاع بين الأخوين عن عظيم خطره، وحسن بلائه وخبرته بالحروب، ولا يقل خطره في تدبير الحكم وشئون السياسة عن خطره في الحرب، وكان مع ذلك مشغوفا بالعلم والأدب مشجعا لأربابهما، حاثا على تعلمهما، وليس أدل على تبريزه في العلم والأدب وخبرته بشئون السياسة وبصره بتصرف الأيام من عهده الذي كتبه إلى ابنه عبد الله. ولسنا نرى ما نقدم به إليك هذا العهد خيرا من وصف المأمون له حين بلغه، وتقديره له واحتفائه به واستنساخه ثم إرساله إلى عماله في الولايات، قال ابن طيفور: لما عهد طاهر بن الحسين إلى عبد الله ابنه هذا العهد تنازعه الناس وكتبوه وتدارسوه، وشاع أمره حتى بلغ المأمون فدعا به وقرئ عليه وقال: ما بقى أبو الطيب شيئا من أمر الدين والدنيا والتدبير والرأي والسياسة، وإصلاح الملك والرعية وحفظ البيعة وطاعة الخلفاء وتقويم الخلافة إلا أحكمه وأوصى به وتقدم فيه. وأمر أن يكتب بذلك إلى جميع العمال في نواحي الأعمال.

وكانت كتابة هذا العهد من طاهر لابنه عبد الله حين اختار المأمون عبد الله لولاية مصر ولمحاربة نصر بن شبث؛ لما رآه فيه من حزم وفطنة وكفاية وحسن بلاء، وكان عهد أبيه إليه قانونا يطبقه على نفسه أحزم تطبيق، وكان لا يورد شيئا في شأن من شئونه أو يصدره إلا على منهجه وفي حدود إرشاداته.

ولما كان هذا العهد من الوثائق التاريخية التي لها قيمتها العلمية والأدبية والاجتماعية والسياسية آثرنا ذكره، وقد أثبتناه في باب المنثور من الكتاب الثالث في المجلد الثالث فراجعه.

عصر المأمون · الصفحة ١١٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١١٨