ولنتساءل الآن إزاء إجابة الأمين لسؤل القادة والجند ومبادرته إلى رفدهم، وإسراعه بمنحهم الأعطيات والهبات والجوائز والصلات: أكان في تصرفه حكيما، وفي عمله مسددا موفقا؟
لا نظن ذلك، وكان الحزم به أولى ليقدع الفتنة، وليضع حدا صارما لشهوات ذوي الغايات والمنتفعين الذين يكثر وجودهم وتتوافر جماعتهم في إبانها وفتراتها. •••
وقد كان اختيار الأمين لعلي بن عيسى بن ماهان خطلا سياسيا؛ لأن سابقة ابن ماهان في خراسان أيام الرشيد كانت سابقة سوء، فهو ممقوت أشد المقت عندهم، ونقرر بهذه المناسبة أنه يخيل إلينا، إلى حد غير قليل، اختلاق تلك القصة التي تعزى إلى الفضل بن سهل، من أنه كتب إلى الدسيس الذي كان ممن يشاورهم الفضل بن الربيع في أمره، أنه إن أبى جماعة الأمين إلا عزمة في الخلاف، فألطف لأن تجعل أمرهم لعلي بن عيسى.
وقال الطبري: وإنما خص ذو الرياستين عليا بذلك لسوء أثره في أهل خراسان، واجتماع رأيهم على كرهه، وأن العامة قائله بحربه، فشاور الفضل الدسيس الذي كان مشاوره، فقال: علي بن عيسى! وإنه إن فعل فلم يرمهم بمثله في بعد صوبه، وسخاوة نفسه، وكان في بلاد خراسان في طول ولايته وكثرة صنائعه، ثم هو شيخ الدعوة وبقية أهل المشايعة. فأجمعوا على توجيهه.
نميل إلى القول بأن نسبة اختيار ابن ماهان إلى تدبير ابن سهل، وإسناد كل فضل إليه من باب الدعوة لابن سهل، ونحن ممن يقر بذكائه وسعة حيلته، كما أسلفنا.
ولكننا نقرر أيضا أن صلة ابن ماهان بالأمين وبدولة الأمين وبابن الربيع كانت مما يحتم على الأمين لا محالة تقليده أمر جيوشه، وتفضيله على غيره من القادة، لا أن دسيس جماعة المأمون هو الذي أشار بندبه واختياره، فلنحترس كثيرا من مبالغة المؤرخين والرواة، ولنجعل من عقولنا ومنطقنا محكا وحكما.
ونلفت النظر هنا إلى تناقض وقع فيه الرواة من الحزب المأموني، فبينا نراهم يقررون أن جيش المأمون عثر على صناديق عدة من الخمر فيما غنمه من علي بن عيسى بن هامان، إذ بالدسيس يصفه بقوله: «ليس مثله في بعد صوبه وسخاوة نفسه !»
ومهما قيل بأن وصفه كذلك من باب الختل والخديعة، وبأنه كان في حقيقة الأمر سكيرا معربدا، فإنا نرى أثر التأليف القصصي في الروايتين ظاهرا جليا.
وسبق لنا أن قد فندنا، حينما كنا بسبيل القول في الأمين، ما رواه محمد بن يحيى بن عبد الملك النيسابوري من أن الأمين قال لما نعى الناعي إليه قائده: «ويلك! دعني فإن كوثرا قد اصطاد سمكتين وأنا ما اصطدت شيئا بعد»، وترك الناعي وخبره وأقبل على الصيد وكوثره، فلنضم هذه إلى تلك. •••
ويجدر بنا الآن أن نطلعك على بعض مقولات الشعراء في موقف الأخوين، مع ملاحظة ما لاحظناه من مبالغتهم في تمداحهم للقوي وغلوهم في زرايتهم على الضعيف.
قال أحد الشعراء البغداديين:
أضاع الخلافة غش الوزير
وفسق الإمام وجهل المشير
ففضل وزير وبكر مشير
يريدان ما فيه حتف الأمير
وما ذاك إلا طريق غرور
وشر المسالك طرق الغرور
لواط الخليفة أعجوبة
وأعجب منه خلاق الوزير
فهذا يدوس وهذا يداس
كذاك لعمري اختلاف الأمور
فلو يستعينان هذا بذاك
لكانا بعرضة أمر ستير
ولكن ذا لج في كوثر
ولم يشف هذا دعاس الحمير
فشنع فعلاهما منهما
وصارا خلافا كبول البعير
وأعجب من ذا وذا أننا
نبايع للطفل فينا الصغير
ومن ليس يحسن غسل استه
ولم يخل متنه من حجر ظير
وما ذاك إلا بفضل وبكر
يريدان نقض الكتاب المنير
وهذان لولا انقلاب الزمان
أفي العير هذان أم في النفير؟
ولكنها فتن كالجبال
ترفع فيها الوضيع الحقير
فصبرا ففي الصبر خير جميل
وإن كان قد ضاق صبر الصبور
فيا رب فاقبضهما عاجلا
إليك وأورد عذاب السعير
ونكل بفضل وأشياعه
وصلبهم حول هذي الجسور (8) عود على بدء، مجهودات الأمين في سبيل الفوز
ولقد سبق أن قلنا لك: إنه مع ما يرمي إليه الرواه من تحقير شأن الأمين ورجالات الأمين يمكننا مع ذلك تبين حقيقة أمره مما يلاحظ في ثنايا السطور وفلتات الحوادث، وقلنا: إن تلك الفلتات قد تتيح لنا أن نؤمن بأن عند الأمين بعض رجالات أفذاذ. ونريد الآن أن نثبت لك ذلك.