تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

5

تعيد إلى الأذهان ما كان بين جند معاوية وجند علي من حمل جند معاوية المصاحف على الرماح.

لننتقل الآن إلى مسألة أخرى لها علاقة بعلي بن عيسى بن ماهان من ناحية، كما أن لها علاقات بما يقع فيه القصاص والمؤرخون والرواة من تناقض من ناحية أخرى، تلك المسألة هي ما يعزى إلى زبيدة من نصيحتها لابن ماهان باحترام المأمون وإجلاله، وأنها قالت له: «يا علي، إن أمير المؤمنين وإن كان ولدي، إليه تناهت شفقتي، وعليه تكامل حذري، فإني على عبد الله متعطفة مشفقة لما يحدث عليه من مكروه وأذى، وإنما ابني ملك نافس أخاه في سلطانه، وغاره على ما في يده، والكريم يأكل لحمه ويمنعه غيره، فاعرف لعبد الله حق والده وإخوته، ولا تجبهه بالكلام؛ فإنك لست نظيره، ولا تقتسره اقتسار العبيد، ولا ترهقه بقيد ولا غل، ولا تمنع منه جارية ولا خادما، ولا تعنف عليه في السير، ولا تساوه في المسير، ولا تركب قبله، ولا تستقل على دابتك حتى تأخذ بركابه، وإن شتمك فاحتمل منه، وإن سفه عليك فلا تراده».

معقول أن يكون ذلك من زبيدة لابن زوجها الرشيد! ولكن التاريخ يحدثنا عن قيد من الفضة قيل إنها أعدته ليقيد به المأمون، كما يحدثنا أن المأمون نفسه اعترف بمسألة هذا القيد، بيد أن نص النصيحة وما اشتملت عليه من الأوامر وما جبلت عليه نفسية السيدة زبيدة مما يرجح عدم صحة القول بإعدادها قيد فضة أو ذهب ليقيد به المأمون. (7) انتصار الجيوش المأمونية ومقولات الشعراء

وقد كتب الله للجيوش المأمونية الفلج والنصر على الجيوش الأمينية. ونترك هنا الكلمة لطاهر بن الحسين، قائد المأمون، فإنه ينبئ خليفته عن ذلك الانتصار بقوله: «أطال الله بقاءك، وكبت أعداءك، وجعل من يشنؤك فداءك، كتبت إليك ورأس علي بن عيسى بين يدي، وخاتمه في أصبعي، والحمد لله رب العالمين».

وذكر بعض أهل خراسان أن المأمون لما أتاه كتاب طاهر بخبر علي بن عيسى بن ماهان، وما نالته جيوشه من فوز وانتصار، وما أوقع الله بجند خصمه من فشل وانكسار، قعد للناس، فكانوا يدخلون عليه فيهنئونه ويدعون له بدوام العز والنصر، وأن المأمون في ذلك اليوم أعلن خلع محمد، كما أعلن خلافته في جميع كور خراسان وما يليها، وسر بذلك أهل خراسان وخطبت الخطباء وأنشدت الشعراء، وفي ذلك يقول الشاعر:

أصبحت الأمة في غبطة

من أمر دنياها ومن دينها

إذ حفظت عهد إمام الهدى

خير بني حواء مأمونها

على شفا كانت، فلما وفت

تخلصت من سوء تحيينها

قامت بحق الله إذ دبرت

في ولده كتب دواوينها

ألا تراها كيف بعد الردى

وفقها الله لتزيينها؟!

وهي أبيات كثيرة.

وذكر علي بن صالح الحربي أن علي بن عيسى لما قتل أرجف الناس ببغداد إرجافا شديدا، وندم محمد على ما كان من نكثه وغدره، ومشى القواد بعضهم إلى بعض، وذلك يوم الخميس للنصف من شوال سنة 195، فقالوا: إن عليا قد قتل، ولسنا نشك أن محمدا يحتاج إلى الرجال واصطناع أصحاب الصنائع، وإنما يحرك الرجال أنفسها، ويرفعها بأسها وإقدامها، فليأمر كل رجل منكم جنده بالشغب وطلب الأرزاق والجوائز، فلعلنا أن نصيب منه في هذه الحالة ما يصلحنا ويصلح جندنا.

خبرني، لعمرك! أليست هذه بوادر الفوضى وعلامات الانتقاض؟ أوليست هذه هي هي بعينها مبادئ الثورة وأمارات زوال الملك وسقوط العروش وأفول نجم أصحابها؟ أجل إنها لكذلك، وإن في انقسام كلمة الزعماء وإثارتهم النفوس بالاضطراب والقلاقل، وإضرامهم نيران الفتن، وتحريكهم الجند وما إلى الجند للشغب والهياج تقطيعا لأوصال البلاد، ونذيرا بالهدم والفناء.

ولننظر ماذا كان من حماقات رجال الأمين؟

إن التاريخ ليحدثنا أن رأيهم قد اجتمع على الشغب والاصطياد في الماء العكر، وأنهم أصبحوا فتوافوا إلى باب الجسر وكبروا، فطلبوا الأرزاق والجوائز، وبلغ الخبر عبد الله بن خازم، فركب إليهم في أصحابه وفي جماعة غيره من قواد الأعراب، فتراموا بالنشاب والحجارة واقتتلوا قتالا شديدا، وسمع محمد التكبير والضجيج، فأرسل بعض مواليه أن يأتيه الخبر، فرجع إليه فأعلمه أن الجند قد اجتمعوا وشغبوا لطلب أرزاقهم، قال: فهل يطلبون شيئا غير الأرزاق؟ قال: لا، قال: ما أهون ما طلبوا! ارجع إلى عبد الله بن خازم فمره فلينصرف عنهم، ثم أمر لهم بأرزاق أربعة أشهر، ورفع من كان دون الثمانين إلى الثمانين، وأمر للقواد والخواص بالصلات والجوائز.

عصر المأمون · الصفحة ١٠٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

عصر المأمونص ١٠٨