لذلك كان من عمل الناقد أن ينظر إلى هذه الأسباب؛ ليتمكن من الحكم على آراء الكتاب والمفكرين حكما صحيحا، وليعرف أسباب المؤثرات الفعالة، فالذي عرف البلاغة «بأنها ما بلغ بك إلى الجنة وعدل بك عن النار» كان متأثرا بالبيئة الاجتماعية الدينية التي عاش فيها؛ فلا يصح أن يؤخذ هذا التعريف كما هو، وإلا ما هي الصلة بين البلاغة وبين الجنة والنار؟ والذي قال: «إن دراسة الأدب بأجمعه من تاريخ وفنون، ومن شعر ونثر، إنما هي وسيلة لفهم كتاب الله - تعالى» لا يصح أن يعد من الأدباء؛ لأن أديبا من الأدباء الذين يفهمون الأدب، ويقولون إنه صورة النفوس والعقول وحالة من أحوال الاجتماع لا يقول ذلك. وإنما هذه نتيجة التربية العقلية عند فقهاء المسلمين، الذين اشتغلوا بالأدب وجمعه وعنوا به من أجل ذلك، ونشروا هذا الرأي وأشاعوا هذه الفكرة، فأخذها الناس عنهم كما هي بدون بحث ولا نقد. وكان يمكن الرجوع إلى الأدب وبلاغة العرب لفهم ما في كتاب الله - تعالى - بدون أن يكون ذلك الغرض الفذ من دراستها. ولكن أدباءنا وأكثرهم من الفقهاء صرفوا همتهم إلى الوجهة الدينية فقط. هذا أثر للبيئة الاجتماعية وأثر اتجاه العقول والأفكار اتجاها خاصا، وهذا يفسر معنى صلة هذه الأسباب بالأدب والنقد.
الإنسان كما قلنا ثمرة البيئة الطبعية والاجتماعية، والأدب والبلاغة من شعر ونثر ومن كتابات اجتماعية وفلسفية وغيرها - من أثر العقول والقرائح - ثمرة من ثمار الإنسانية، ونتيجة تربية العقول والنفوس. فإذا كانت الأمة في مبدأ تربيتها العقلية وأول نشأتها كالطفل لا يعرف إلا ما يقع عليه نظره، ولا يدرك إلا ما يحيط به، أصبحت معلوماتها منحصرة في ذلك، وخيالاتها مقصورة على ما ترى وتسمع حولها. فإن لم تكن محبة للبحث والتنقيب ولا راغبة في الاستطلاع، بقيت في هذا النوع من التربية الأولية. وبعض الأمم يموت ويعيش وهو في شباب الحياة وطفولة التربية؛ لأن البيئة الاجتماعية لم تدفعه إلى حب الاستطلاع، ولم تولد فيه البحث في معرفة الجمال وفهمه.
والعرب في عيشتهم وحياتهم البدوية الصرفة، لم يخرجوا عن الدائرة التي وضعتهم فيها طبيعة بلادهم، ولم يروا غير هذه الصحراء الواسعة وما توحيه إلى النفوس من العظمة والهيبة والغموض الذي تضل فيه الظنون. ثم هذا البسط «اللانهائي» الذي يحمل على الظن بأن الحياة لا تتغير، وكأن الإنسان يخلق ويموت وهو على حال واحدة من العيش، وأن هذه الحياة البدوية الساذجة هي كل شيء، وأن الشجاعة والكرم والمروءة هي كل فضيلة، وكأنه ليس وراء ذلك من فخر، وكأن العصبية والإغارة على الأعداء والانتصار عليهم هي كل ما يفهم من معنى الشجاعة، وأن العربي في حريته واستقلاله أفضل إنسان وأكرم نفس وأرقى مخلوق. كذلك تكونت خيالات العربي على ما يرى وما يحيط به من حيوان ونبات، ولم يكن لديه من الفرصة ما يمكنه من معرفة أحوال الأمم الأخرى، فنشأ قانعا بما لديه، راضيا بحالته؛ لأنه ظنها أفضل وأكمل من غيرها، فلم يرغب في تغيير حالته الاجتماعية ولم يأخذ عن غيره؛ لأن ذلك لم يكن متيسرا له في حالته الأولى، ولأن الحاجة لم تحمله على ذلك؛ لاقتناعه بما لديه من كل شيء حتى في العلوم والمعارف، ولأنه كان يرى سعادته في هذه الحال، والإنسان إن لم تدفعه الحاجة لا يميل إلى العمل ولا يحب التعب. كل ذلك أثر البيئة الطبعية والاجتماعية عند العرب، وهي بنفسها التي نراها في بلاغاتهم وأشعارهم، فقد امتلأت خيالاتهم بما كان يحيط بهم، ولم تتعد أفكارهم البيئة التي كانوا يعيشون فيها، فكان إذا وصف أو شبه أحدهم شيئا أخذ خياله وفكره مما يحيط به، وذكره على سذاجته؛ لأنه كان يميل في الافتنان والصناعة إلى إلهاماته وما توحي إليه فطرته، فكانت السذاجة تظهر في كل شيء من كلام وشعر وخيال، ومع أن هذه السذاجة البدوية هي عيب الشعر العربي؛ لأن الحقائق «العريانة» كما يقولون ليست مقبولة لدى كل نفس، ولا يتذوقها كل إنسان، خصوصا في الشعر والبلاغة؛ إذ لا بد من الافتنان في إظهار المعاني المقصودة، ولا بد أن يعتري المتفنن من الحيرة والشك في الوصول إلى أغراضه ما يحمله على البحث والتنقيب حتى يصل إلى ما يقرب من الإتقان والكمال والإبداع. مع أن هذا هو عيب الشعر العربي البدوي، فهو أيضا كل ما فيه من الجمال؛ لأن السذاجة الفطرية أو الكلام المطبوع الذي تظهر فيه طبيعة الإنسان كما هي، له نوع خاص من القبول والاستمراء، وقد تدعو هذه الحال إلى الإعجاب.