7
لا شك أن الإنسان ثمرة البيئة والزمن والجنس. ولكن هذه أسباب عامة، يندمج فيها كثير من الأسباب الأخرى، وليست وحدها تؤثر في نفس الشخص وتربيته. هنالك حوادث خاصة وأحوال نفسية، واستعدادات فطرية وأمراض عقلية وعصبية، وهناك قوة وضعف في الجسم والعقل، وفي التصور والخيال، وهناك أحوال كثيرة لا تعرف إلا بدراسة الشخص نفسه منفردا، أو بعيدا عن كل المؤثرات العامة الأخرى. كل ذلك يجب اعتباره والرجوع إليه في «تحليل» نفوس الأشخاص وآثارهم العقلية والكتابية، وإنما مثل من يحكم على الشخص بمجموع ما يحيط به وباندماجه مع غيره، كمثل الطبيب يمتحن الجسم كله ليتوصل بذلك إلى الحكم على عضو خاص، بدون نظر إلى العوارض الخاصة بذلك العضو. نجد في الأمة الواحدة وفي البلد الواحد، وفي الأسرة الواحدة وفي البيت الواحد، عقولا مختلفة وأفكارا مختلفة وأميالا وأهواء مختلفة، فكيف نفسر ذلك على طريقة تين؟ الاختلافات الظاهرة في الخلق بين أخوين من طول وقصر، وبياض وسمرة، ونحافة وبدانة، واعتدال واعوجاج، توجد بنفسها في الأخلاق من حمق ورزانة، وحلم وطيش، وتوجد في أثر العقول والأفكار من ذكاء وغباوة، وقوة في الإدراك وضعف في التصور؛ ومن هنا كانت الاختلافات العظيمة بين الأفراد في الحكم والإدراك والمبادئ والعقائد وغيرها. الحق واحد لا يتغير. ولكن الخلاف في طرق الإدراك وفي النفوس واستعدادها لقبوله؛ فلا بد من مراعاة الأسباب الخاصة في معرفة الشخص، أكثر من الأسباب العامة في تكوين نفسه وإدراك حقيقتها.
من أجل ذلك يمكن أن تعتبر مباحث تين كمقدمات عامة لمعرفة الأشخاص، كما لاحظ ذلك أحد النقاد، وقال: إن هذه الطريقة واضحة في تفسير الأحوال العامة، كالحكم على شعب أو أمة بأجمعها، كما فعل تين في كتابه «تاريخ بلاغة الإنكليز»؛ إذ يصح أن يوجد في هذا الكتاب أدلة صحيحة واضحة في الحكم على الجنس السكسوني ومميزاته. ولكنا إذا رجعنا إليه وهو يبحث أو يدرس أفرادا خاصة، وجدنا أن الأوصاف التي استنتجها يصح أن تنطبق على غيرها من جنس آخر وبيئة أخرى.
هذه الطريقة في النقد هي نتيجة فلسفة تين الإيجابية، ونتيجة أفكاره المذهبية المبنية على مذهب علمي ثابت وقواعد ثابتة، وهي نتيجة انتشار مذهب أوغست كونت وأتباعه؛ فمذهب تين الأدبي هو أثر مذهبه العلمي الفلسفي، مبني على صلة الأدب بالفلسفة والعلوم، وعلى تسرب المبادئ العلمية إلى الأدب والبلاغة، وأن البلاغة أثر من آثار العلوم، ليست عبارة عن خيالات وتشبيهات فقط، بل هي مجموع أفكار الإنسان ونتائج العقول والقرائح.
ولو أردنا أن نشرح مذهب تين بتفصيل أوسع لطال بنا البحث، وربما عاد علينا ذلك بالملل؛ لأن الرجل غير معروف عندنا؛ ولأننا لم نتعود اندماج الأدب في الفلسفة، ولأن مذهبه مذهب علمي جاف لا يسوغ لنا قبوله.
| البيئة وأثرها في العقول
يستمد الإنسان تصوراته، وتتربى إدراكاته على حسب ما يراه، ويحيط به من المشاهدات والمعقولات، وعلى قدر بلوغ ذلك من نفسه واستيلائه على حواسه، تكون درجة الإدراك لديه، فإذا كانت المشاهدات كثيرة مختلفة، كانت قوة الموازنة وحب الاستطلاع والرغبة في البحث أعظم وأدعى إلى نمو العقل والإدراك، وكبرت في نفسه ملكة التمييز بين الأشياء، وصار ذلك شبه خلق له؛ فيصبح وقد تربى على نوع خاص من الذكاء والملاحظة، وتشكلت نفسه وإدراكاته ومعلوماته بهذا الشكل الخاص، الذي ينبئ عن حياته العامة التي كانت له في هذه البيئة الخاصة، وكانت تصوراته وتشبيهاته مأخوذة عن ذلك، وأفكاره ومعقولاته صورة من الاجتماع الذي عاش فيه، وأثرا من آثار تلك البيئة، وباختلاف البيئة يكون اختلاف الناس في عقولهم وإدراكاتهم وتربيتهم؛ فليس من يعيش بين العلماء كمن يعيش بين الجهلاء، ولا من نشأ في بيت كريم كمن نشأ بين السوقة والسفلة.