ص -429- حكمت بجميع ما فيه ولما بسطت ذلك في الفتاوى قلت: نعم الحق أنه لا يقبل في البنوة والحدود ما مر إلا من شاهد مشهور بمزيد التحري والضبط والمعرفة بحيث يغلب على الظن أنه لم يذكر البنوة والحدود إلا بعد أن استند بهما إلى وجه صحيح يجوز له اعتماده فيهما وكلامهم في مواضع دال على ذلك ومما يثبت بذلك أيضا ولاية قاض واستحقاق زكاة ورضاع وجرح وتعديل وإعسار ورشد وغصب وأن هذا وارث فلان أو لا وارث له غيره قال الرافعي وغيره وإنما تقبل الشهادة بكون المال بيد زيد بالمشاهدة دون الاستفاضة واعترضوا بأن المنصوص أنه تكفي وقال الهروي إنه متفق عليه.
تنبيه: نقل في المتوسط عن الإسنوي عن ابن الصلاح مسألة وقال إنها كثيرة الوقوع وهي أن جماعة شهدوا بأن النظر في الوقف الفلاني لزيد ولم يزيدوا على ذلك ولم يكونوا شهدوا على الواقف أي: لم يدركوه ولا قالوا إن مستندهم الاستفاضة وسئلوا عن مستندهم فلم يبدوه بل صمموا على الشهادة وأجاب ابن الصلاح بأن هذا محمول على استنادهم إلى الاستفاضة والشروط لا تثبت بمثل ذلك كما تقدم قال: وأيضا فإن إهمال السبب مقتضاه لرد الشهادة بالإرث ا هـ. وأنت خبير من قولي الآتي وإذا أطلق الشاهد وظهر للحاكم إلى آخره ومما مر في المنتقبة أنه لا يلزم بيان سبب معرفتها أنه ينبغي جريان ذلك التفصيل بين العارف الضابط وغيره هنا ويفهم من كلام ابن الصلاح أنه بنى إطلاقه المنع على أنه لا يمكن الاستناد فيه إلا إلى الاستفاضة وهذا الحصر ممنوع؛ لأنه قد يستند لتواتر مفيد للعلم الضروري وابن الصلاح لا يسعه أن يمنع ثبوت شروط الوقف بهذا التواتر الأعلى من الاستفاضة وإذا لم ينحصر الأمر في الاستفاضة فلا وجه لرد الشهادة المحتمل استنادها لوجه صحيح لا سيما مع اشتراطنا في الشاهد ما مر وقوله أيضا فإن إهمال السبب إلى آخره لا يلاقي ما نحن فيه؛ لأن إهمال سبب الإرث يؤدي إلى الجهل بالأصل المقصود، وإهمال السبب في مسألتنا لا يؤدي لذلك بل للجهل بطريقه وشتان ما بين الجهلين فتأمل ذلك كله فإنه مهم.
"وشرط التسامع" الذي يجوز الاستناد إليه في الشهادة بما ذكر "سماعه" أي: المشهود به فهو مصدر مضاف للمفعول "من جمع يؤمن تواطؤهم على الكذب" ويحصل الظن القوي بصدقهم وهذا لازم لما قبله خلافا لمن استدرك به ولا يشترط فيهم حرية ولا ذكورة ولا عدالة وقضية تشبيههم لهذا بالتواتر أنه لا يشترط فيهم إسلام وهو محتمل ثم رأيت بعضهم جزم باشتراطه وكأنه لضعف هذا؛ لأنه قد يفيد الظن القوي فقط كما تقرر بخلاف التواتر فإنه يفيد العلم الضروري وبه فارق الاستفاضة فهما مستويان في الطريق مختلفان في الثمرة كما حقق في محله "وقيل يكفي" التسامع "من عدلين" إذا سكن القلب لخبرهما وعلى الأول لا بد من تكرره وطول مدته عرفا كما يعلم مما يأتي وشرط ابن أبي الدم أنه لا يصرح بأن مستنده الاستفاضة ومثلها الاستصحاب ثم اختار وتبعه السبكي وغيره أنه إن ذكره تقوية لعلمه بأن جزم بالشهادة ثم قال مستندي الاستفاضة أو الاستصحاب سمعت شهادته وإلا كأشهد بالاستفاضة بكذا فلا بل كلام الرافعي يقتضي أنه لا يضر ذكرها مطلقا حيث
ج / 4