أما العلم الذي كرس له معظم وقته، ونبغ فيه وشهر به، فهو علم النحو، وكتابه فيه أول كتاب وصل إلينا في ذلك العلم، ويحفظ التاريخ من أساتذته في تلك المادة سيد أهل الأدب وصاحب العقلية الجبارة الخليل بن أحمد، وهو أعظم أساتذته أثرا فيه، وأكثرهم اتصالا به وأخذا عنه، وكان سيبويه يعد أبرع تلاميذ الخليل في النحو وأوثق من حمل عنه، ومنهم عيسى بن عمر الثقفي، مؤلف كتابي «الإكمال» و«الجامع» في النحو، وهو الذي أخذ عن أبي عمرو بن العلاء تلميذ يحيى بن يعمر أحد تلامذة أبي الأسود. ومنهم: أبو زيد الأنصاري تلميذ أبي عمرو بن العلاء أيضا، وقد عاش أبو زيد هذا بعد سيبويه بنيف وثلاثين سنة، ورأى المجد الذي أدركه تلميذه بتأليف الكتاب، وقد نقل عنه سيبويه فيمن نقل، فكان الأستاذ يقول كالمفتخر بذلك: كان سيبويه غلاما يأتي مجلسي، وله ذؤابتان، فإذا سمعته يقول: حدثني من أثق بعربيته فإنما يعنيني. ومنهم: يونس تلميذ ابن العلاء أيضا، وقد عاش كذلك بعد سيبويه، ويروى أنه لما مات سيبويه قيل ليونس بن حبيب: إن سيبويه قد ألف كتابا في ألف ورقة من علم الخليل، قال يونس: ومتى سمع سيبويه هذا كله من الخليل؟ جيئوني بكتابه، فلما نظر فيه ورأى كل ما حكى قال: يجب أن يكون هذا الرجل قد صدق عن الخليل في جميع ما حكاه عنه، كما صدق فيما حكاه عني. ويخيل إلي أن الصلة لم تكن وثيقة بين سيبويه وأستاذه يونس كما نلمس ذلك في تلك الرواية وفي رواية أخرى نقلها ياقوت. ومن أساتذته في اللغة أبو الخطاب الأخفش الكبير، أستاذ أبي عبيدة معمر بن المثنى، وهو غير أبي الحسن الأخفش تلميذ سيبويه، وإن كان أكبر من أستاذه سنا. وروى سيبويه اللغة أيضا عن أبي عمرو بن العلاء كما ذكر ذلك ياقوت في معجمه (ج11، ص160). (5) زملاؤه
ويذكر التاريخ من زملائه ثلاثة نبغوا على يد الخليل بن أحمد، هم: النضر بن شميل، وكان أبرع تلاميذ الخليل في اللغة، ومؤرج العجل، وكان أبرعهم في الشعر واللغة، وعلي بن نصر، وكان أبرعهم في الحديث. (6) مدرسة البصرة ومدرسة الكوفة
نشأ سيبويه بالبصرة، وأخذ علم النحو عن أعظم علمائها قدرا، ومعروف أن البصرة قد سبقت الكوفة في هذا اللون من الدراسة وانفردت به، حتى أخذ هذا العلم، عن أبي عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي، أبو جعفر الرؤاسي، وعنه وعن غيره من علماء البصرة أخذ الكسائي والفراء معاصرا سيبويه، وقد بدأت مدرسة الكوفة في النحو منذ أنشأها الرؤاسي تناظر مدرسة البصرة، يقول الأستاذ أحمد أمين في كتابه ضحى الإسلام (ج2، ص294): «بدأ الخلاف هادئا بين الرؤاسي في الكوفة، والخليل في البصرة، ويظهر أن العصبية العلمية بين المدرستين كانت مؤسسة على العصبية السياسية التي ظهرت بين البلدين، فقد كان الكوفيون يميلون في الجملة سياسيا إلى دولة بني العباس، بينما كان البصريون منصرفين عنها. وقد ظهر في البصرة محمد بن الحسن العلوي الملقب بالنفس الذكية، والذي حاربه المنصور، وكان هو المرشح للخلافة قبل أن يأخذها العباسيون.
أهم الفروق بين المدرستين
وربما كان أهم الفروق الأساسية بين المدرستين أن مدرسة البصرة رأت أن أهم غرض هو وضع قواعد عامة للغة في الرفع والنصب والجر والجزم ونحوها، تلتزمها، وتريد أن تسير عليها في دقة وحزم، وإذا كانت اللغات دائما لا تلتزم القواعد العامة دائما، بل فيها مسائل لا يمكن أن تجرى على القاعدة، وخصوصا اللغة العربية، التي هي لغات قبائل متعددة تختلف فيما بينها اختلافا كبيرا ... أراد البصريون تمشيا مع غرضهم أن يهدروا الشواذ، فإذا ثبتت صحتها قالوا: إنها تحفظ، ولا يقاس عليها. بل جرءوا على أكثر من ذلك، فخطئوا بعض العرب في أقوالهم إذا لم تجر على القواعد، فالبصريون إذا رأوا «إن» تنصب الاسم وترفع الخبر غالبا، ثم رأوها في بعض المواضع لا تسير هذا السير مع الوثوق بصحة ما ورد نحو: