تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

كان كثير من حملة العلم ودارسي اللسان العربي في تلك العصور من الفرس، والمؤرخون يعللون ذلك بعلل كثيرة، كان من جملتها ولا ريب تطلع الشبان ذوي المواهب إلى نيل المناصب السامية في دولة كانت تعتمد على سواعد الفرس، ولقد كان هذا الباعث - بدون شك - واحدا من بين الأسباب التي حفزت سيبويه إلى دراسة اللغة العربية والتبحر فيها، كما يدل على ذلك رحلته إلى بغداد، فإنها كانت رحلة يريد من ورائها المجد المادي والأدبي، كما سنرى. (2) مولده

لا سبيل إلى تحديد سنة ميلاده، فقد أغفلها المؤرخون جميعا، ولا محيص لنا من الفرض والتخمين للوصول إلى معرفة تلك السنة على وجه التقريب؛ ذلك أن التاريخ يذكر من أساتذة سيبويه عيسى بن عمر الثقفي الذي يكاد المؤرخون يجمعون على أنه توفي سنة تسع وأربعين ومائة، ويقول ياقوت في كتابه «معجم الأدباء»: «وما يكون قد أخذ عنه إلا وهو يعقل، ولا يعقل حتى يكون بالغا، فإذا حسبنا لبلوغ سيبويه سن الرشد أربعة عشر عاما، كان لنا أن نضع ميلاد سيبويه في العام الخامس والثلاثين بعد المائة، ويكون عيسى بن عمر من أوائل الأساتذة الذين أخذ عنهم سيبويه.»

أين ولد هذا النابغة؟ يجهل التاريخ كذلك مكان هذه الولادة، فهو لا يعرف البلد الذي رآه للمرة الأولى، ولا يكاد يذكره إلا وهو طالب للعلم، يغدو إلى مجالسه في مساجد البصرة، وبعض المؤرخين يروي أنه ولد بالبيضاء التي يصفها ياقوت في «معجم البلدان» بأنها مدينة مشهورة بفارس، وأنها أكبر مدينة في كورة إصطخر، وإنما سميت بالبيضاء لأن لها قلعة تبين من بعد ويرى بياضها، وكانت معسكرا للمسلمين يقصدونها في فتح إصطخر، وهي مدينة تقارب إصطخر في الكبر، وهي تامة العمارة خصبة جدا، ينتفع أهل شيراز بميرتها، وبينها وبين شيراز ثمانية فراسخ، وينسب إليها كثير من العلماء المبرزين، عد ياقوت منهم جملة صالحة.

أرجح هذه الرواية، وأستأنس لهذا الترجيح بما سنراه بعد من أنه رحل بعد إخفاقه في بغداد إلى فارس عائدا في أغلب الظن إلى مسقط رأسه، فوافاه الأجل بها، أو قبل أن يصل إليها في شيراز. (3) نشأته

وإذا كان التاريخ يجهل بالتحديد منبته، فهو يجهل كذلك نشأته الأولى، ولا يعرف ما شداه الطفل من العلوم، ولا ما أخذه من ألوان الثقافة، وأغلب الظن أنه كان كنابتة هذا العصر يقرءون القرآن ويحفظون شعر العرب وشيئا من السيرة النبوية وتاريخ الغزوات، ثم يمضي من يريد التخصص في مادة فيما خصص نفسه له.

ويروي كثير من المؤرخين أن سيبويه لم يطلب النحو أول ما طلب، بل كان يطلب الفقه والآثار، أي الحديث وتاريخ الغزوات، قال نصر بن علي: كان سيبويه يستملي على حماد بن سلمة، فقال حماد يوما: قال

صلى الله عليه وسلم : «ليس أحد من أصحابي إلا وقد أخذت عليه، ليس أبا الدرداء.» فقال سيبويه: «ليس أبو الدرداء.» فقال له حماد: «لحنت، ليس أبا الدرداء.» فقال سيبويه: «لا جرم، لأطلبن علما لا تلحنني فيه أبدا.» وطلب النحو، ليس في هذه القصة شيء من الغرابة، فقد يعن للمرء وهو يدرس ما يشعره بالنقص في ثقافته، فيتجه لاستكمال هذا النقص، وقد تظهر موهبته المكنونة في تلك المادة الجديدة، فينبغ ويمتاز. ومما لا ريب فيه عندي أن سيبويه لم يكتف بالنحو والفقه والآثار، بل ضرب في كل علم من علوم عصره بسهم، قال ابن عائشة: «كنا نجلس مع سيبويه النحوي في المسجد، وكان شابا نظيفا جميلا، قد تعلق من كل علم بسبب، وضرب في كل أدب بسهم، مع حداثة سنه وبراعته في النحو، فبينا نحن ذات يوم إذ هبت ريح فأطارت الورق، فقال لبعض أهل الحلقة: انظر أي ريح هي؟ وكان على منارة المسجد تمثال فرس، فنظر ثم عاد، فقال: «ما ثبتت على حال.» فقال سيبويه: «العرب تقول في مثل هذا: قد تذاءبت الريح. وتذاءبت أي فعلت فعل الذئب؛ وذلك أنه يجيء من ها هنا وها هنا، ليخيل، فيتوهم الناظر أنه عدة ذئاب».» وإذا صحت هذه الرواية، وهي ليست بعيدة الصحة، دلتنا على منهج سيبويه التعليمي، واعتماده على التطبيق العملي فيما يلقيه من القواعد والنظريات، وإن علمه باللغة يدلنا عليه كثير من فصول كتابه، ولا سيما أبواب الصرف، ففيها من غريب الكلمات ما يدلنا على محصول كبير في اللغة. (4) أساتذته

سيبويه: حياته وكتابه · الصفحة ٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

سيبويه: حياته وكتابهص ٢