تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

مضطرداً إلا والمقصود به تكفير الأعيان إلا من اشتبه في اسلامه. فكلّ الأعيان مشركون إلا من اشتُبه فيه. لكنّ أصل مذهبه كفر هؤلاء.

c. والثالث من قال فعلهم فعل كفر وشرك، ثم تردّد بعد ذلك، فلم يسمهم كفارا ولا مسلمين! ولا يقول بقول المعتزلة في المنزلة بين المنزلتين، وهذا قول فيه تناقض، والحازميّ يتابع فيه ما ورد عن محمد بن عبد الوهاب، لكنى بينت طريق الجمع بين نصوص بن عبد الوهاب في هذا الأمر أعلاه، وأظنّ أن الحازميّ لم يهتم بالجمع بينها، بل أخذها على علاتها. ولازم قوله في هذا هو كفر هؤلاء كذلك.

25) أما عن تنويهي في المقال السلبق، بشأن من حكم على فاعل الشرك الأكبر الذي يتفق عليه أصحاب المذاهب الثلاثة السابقة بأنه مشرك كالنصرانيّ، أو من قيل له لا تدعو الولي الفلاني وتسأله من دون الله ولا تطوف بقبره كالكعبة، لأن ذلك شرك وبينت له الآيات، فقال، لا ديني أني أدعو غير الله، فهذا كافرٌ لا شكّ فيه. أما موقفنا من الأقسام الثلاثة السابقة، فنحن لا نكفّر أيّ قائلٍ بها. لكن نرى الغلوّ في القسم الأول، ونرى أن الثالث، إن رفعنا التناقض فيه، من إنهم لا مسلمين ولا كفار، هو أقرب للحق.

وأود هنا أن أضيف توضيحاً بالنسبة للنصارى بالذات، فالأمر فيه إشكال، إذ كثيرٌ لا يعرفون أنّ النصارى يقولون إن الله ثالث ثلاثة، أو أن المسيح ابنه، ويستغربون حين تقول لهم ذلك، خاصة في مصر، حيث ترتفع نسبتهم بين المسلمين! فهي بالنسبة إليهم كالمسائل الخفية، وهذا من قلة العلم وعدم قراءة القرآن، فهم لا يرون أنه يمكن القول بأن الله له ابن أو أن الله ثالث ثلاثة، بل يجهلون انطباق ذلك على النصارى الحاليين في مصر. وهنا يقع الإشكال. ويمكن الحاق عاذرهم بالقسم الثاني لمن كان هذا حالهم. لكنّ كثيراً جداً منهم يعرفون هذا، ولا يجهلونه، ويعرفون أن القرآن جاء بخلافه، وهم مع ذلك يتنطعون بأن لكلٍ دين، وأن رحمة الله واسعة، وأنّ الجنة لم تُخلق للمسلمين فقط، فهؤلاء كفارٌ مشركون، بأعيانهم، لا عذر لهم.

26) ويجب هنا النظر في دلالة كلمة "العذر"، فاستعمال كلمة العذر قد يحمل معنى امتداد الإعذار، وأنه مهما حدث من الفاعل، فهو معذورٌ، والقائل بهذا جاهلٌ مبتدعٌ يجب أن يبيّن له، فالعذر عندنا، والذي لا نرى كفر القائل به، هو العذر المّقيد بإقامة الحجة الرسالية، لا المطلق دون قيد.

27) ونود أن نقرر هنا أنه كان من الممكن أن يبقى الأمر في هذا الخلاف في الحيز الأكاديميّ، لكن المشكلة أنّ قد بلغنا أن الكثير من عوام المسلمين، خاصة من انتمي منهم للتنظيم الحروري، قد تأثّروا بكلام الشيخ. ثمّ إنه قد ذهب منهم إلى جبهة الجهاد في الشام عددٌ، فدافعوا ونافحوا عن هذا النظر وتعَصّبوا له، مما أدّى إلى حدوث تطرفٍ مقيتٍ، وتكفير بتعميم وتعيين، ممن ليس له قدرة على النظر ابتداءً، إلا اعتماداً على قول الشيخ فيها، أو اعتبار بعض الأقوال نقلاً دون التمكن من آلة النظر. وأدى إلى طامته الكبرى التي سنذكرها بعد، من إطلاقه القول بأن العوام يمكنهم أن يكفِّروا من ثبت كفره "عندهم أو عنده! ". وقد أدى ذلك كما قلنا إلى تكفيرات متبادلة بين الفصائل، وإلى قتل أنفسٍ حرّم الله قتلها إلا بالحق. وما أرى إلا أنّ كثيرا من وزر ذلك التكفير وتلك الدماء يقع على من أعطى هؤلاء السمّ الزعاف ليكون شفاءً ودواءً في رأيه، فإذا بهم يستخدمونه حراباً وسهاماً ضد إخوة لهم في الدين، وضد عوامٍ لا يحل دمهم إلا بالحق. وقد رأينا وسمعنا عن "شرعيين" يحكمون بالردة على كل الفصائل، من كل الأطراف.

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٦٨١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٦٨١