تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

هم من الدهماء، فيظهره كأنه قوة في الدليل وهو في حقيقته خلاف ذلك. وشيخيّ الإسلام يتبعان الكتاب والسنة، ولكنهما عرفا خطأ التعميم في التكفير، الذي هو مذهب الحازميّ، حتى لو أنكره الحازميّ عن نفسه، أو أنكره عنه مقلدوه. كما أنّ شيخيّ الإسلام عرفا مقام إقامة الحجة، والبيان، من عدمهما، وضرورة الاستتابة ومعناها، والفرق بين الجاهل والمخالف المعاند، هذا كله ونحن نرى رأينا الذي قدمناه من قبل في كفر من ارتكب شركاً بيّنا لا شكّ فيه، لكنّا لا ننزع إلى مثل هذا الغلو الذي يكفّر من يرى عذراً بجهل، سواءً لعدم إقامة الحجة، كما قال بن عبد الوهاب رحمه الله"عدم من يُنبّههم"، أو لأن المناط الشركيّ لم يتحقق من دعاء العبادة والمسألة، لا الدعاء عند القبر، أو غير ذلك، مما يمكن أن يقوم كعذرٍ ولو كان مرجوحا.

19) وقد قال الإمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله "فنقول: إذا كان يعمل بالكفر والشرك، لجهله، أو عدم من ينبهه، لا نحكم بكفره حتى تقام عليه الحجة؛ ولكن لا نحكم بأنه مسلم، بل نقول عمله هذا كفر، يبيح المال والدم، وإن كنا لا نحكم على هذا الشخص، لعدم قيام الحجة عليه؛ لا يقال: إن لم يكن كافرا، فهو مسلم، بل نقول عمله عمل الكفار، وإطلاق الحكم على هذا الشخص بعينه، متوقف على بلوغ الحجة الرسالية" (1). وهذا يعنى عدم تكفيره بلا شك. وقد يُشتمّ في هذا القول "التوقف" فيمن هذا حاله، وهو ما لا نرى أنّ شيخ الإسلام يقول به، فإن المرء يدور بين حالتين، لا ثالث لهما، إمّا إسلام وإما كفر، كما قرر الحازميّ نفسه مرات عديدة، إذ لا نقول بقول المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين.

20) ومن هنا فإننا نرى الجمع بين أقوال شيخ الإسلام بأنّ قصده أنّْ لا نصرح بالحكم بإسلام هذا الفاعل، وإن كان مسلماً باستصحاب الأصل، حتى تقوم عليه الحجة، وذلك لوقوع الشكّ الذي لا يرتفع إلا باليقين. وفرقٌ بين وقوع الشكّ المانع من النطق بحكم، وبين إثبات حالة ليست بإسلامٍ ولا بكفر. بل ما نصرّح به أنّ فعله فعل كفرٍ لا غير. أمّا ما ذكره الحازميّ من التفرقة بين الاسم والحكم، فلا أظنه يقوم على ساق، بل إن مذهبه أنّ "الحكم" هو "صفة" أو "إسم"، يقال: حكمُ فلانٍ الاسلامُ، وحكم فلانٍ الكفر. فهذا مصطلحه، والتفرقة بينهما تناقض معيب. والأسماء ليست مقصودة لذاتها، بل هي دالة على معنى أو صفة قائمة في المسمى أو الموصوف، ويجب أن يتصف كلّ امرئ بصفة أو مسمى في كلّ حال وإلا وقعنا في التوقف والتبيّن، ونحن نقول إن "الحكم" أليق أن يُفهم على أنه من ناحية التنفيذ، أي تطبيق الحدّ بعد ثبوت الاسم أو الصفة، وإلحاق الفرد بأيهما يقيناً، أيّ لا يقام حداً إلا بعد ذلك. فهو مسلمٌ، في إسلامه شكّ لا يرفع الصفة، إذ يجب استصحاب الأصل فيه، لكن لا يثبت الكفر اسماً ولا صفة ولا حكماً إلا بعد إقامة الحجة وردّها.

21) وهذا أقرب تأويلاً (أي تفسيراً) لمذهب الإمامين بن تيمية وبن عبد الوهاب، لرفع التناقض في النقول، فإن التعامل مع كلام الإئمة يجب أن يكون بالجمع بين أطرافها والتوفيق بينها، لا أن نضرب بعضها ببعضٍ، أو أن نتركها على تناقضها ونحكيها بلا تدقيق. وقد قلت سابقاً في بيان هذه الجزئية ما نصّه "والأخرى .. أنه إذا جاءت نصوص للفقيه أو الإمام توافق أصلا ً مقررًا، ثم جاءت، لنفس الفقيه أو الإمام في مواضع أخرى، نصوص تشتبه علينا، أو تبدو بظاهرها مخالفة لنفس الأصل، وجب علينا حمل المتشابه من هذه الأقوال على الوجه الذي يوائم الأصل، والذي شهدت له أقوال الإمام نفسه في مواضع أخرى؛ وإلا كان ذلك اتهامًا منا لهذا الإمام بالتناقض والتضارب في أقواله، وليس ثمة ما يدعو إلى ذلك طالما اتسق المنهج، واستقام للنظر" (2).

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية ج 10 ص 163

(2) "الجواب المفيد في حكم جاهل التوحيد" ص 58

أحداث الشام .. كما عايشتها · الصفحة ٦٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

أحداث الشام .. كما عايشتهاص ٦٨٠