 والعقل: قوة مميزة بين الحسن والقبح.
واعلم أن صفاء الذهن لما كان من الفضائل، وقد ثبت أن لكل فضيلة طرفين؛ فطرف تفريطه الظلمة الحادثة في النفس إما بسبب ما حصل في جبلته من القصور في استنباط النتائج أو لتعوده بذلك، وطرف إفراطه التهاب الذهن المتجاوز عن قدر المطلوب، فيقع المطلوب دون طرفيه، وليس هذا في شيء من الإصابة إلى المطلوب كما زعم من لا خبرة له باستعمال الأفكار.
والثانية: جودة الفهم، وهي عبارة عن صحة الانتقال، أي: انتقال الذهن من تصور الملزوم إلى تصور اللازم، قال علي بن أبي طالي صلى الله له : من فهم علم غور العلم، وذلك لأن الإنسان مجبول على قوة مسماة بالفهم من شأنها الانتقال من شيء إلى آخر ولا يتخلف عنها هذا الأمر إلا بأن لا ينتقل أصلا أو بأن ينتقل لكن إلى ما لا انتقال إليه؛ إما لانتفاء شرائطه كما في جلالة الطفولية الفاقدة لآلة الفهم، أو لوجود الموانع كما في الغباوة العارضة لذلك، فإن الفهم [] في الإنسان جبلي وأن خلافه لآفة ويرشدك إلى صحة هذا الكلام ما صدر عن صدر الإسلام محمد سيد الأنام ا الله عليه وسلم من قوله : كل مولود يولد على فطرة الإسلام إلا أن أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه».
وهذه الفطرة وإن كانت فطرة الإسلام إلا أنها يفهم منها حال فطرة الفهم بطريق الإشارة؛ لأنها مستلزمة لفطرة الفهم فافهم.