تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين (يونس: 99).

الفصل الحادي عشر

| الاحتكام إلى النتائج

| ad consequentiam appeal to consequences

إن كايوس فان حقا، وإن حقا عليه أن يموت، أما أنا ... إيفان إليش، بكل أفكاري وعواطفي، فشيء مختلف تماما، إن من المستبعد أنني ينبغي أن أموت، إن ذلك ليكون شيئا مرعبا غاية الرعب.

تولستوي، موت إيفان إليش

الحقيقة ليست ملزمة بأن تتبع أهواءنا، وإنما نحن الملزمون بأن نتبع الحقيقة. ***

ليس الفكر عبدا «يخدم» على أهوائنا ويدغدغ أمانينا، ويعمل على راحتنا واسترخائنا، وإنما هو «وظيفة بشرية» تتعلق بتعرف الحقيقة كما هي وإماطة الوهم كيفما كان، ومن ثم فإن من المغالطة أن نستخدم «النتائج» (العواقب، التبعات، المترتبات، اللوازم، التوالي)

consequences ، السلبية أو الإيجابية، المترتبة على اعتقاد ما كدليل على كذب هذا الاعتقاد أو صدقه.

يمكن تجريد الصورة المنطقية لهذه المغالطة كالتالي:

الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج مرغوبة؛

حيث النتائج المرغوبة غير ذات صلة بصدق «ق»؛

إذن «ق» صادقة.

أو كالتالي:

الاعتقاد بأن «ق» يؤدي إلى نتائج بغيضة؛

حيث النتائج البغيضة غير ذات صلة بكذب «ق»؛

إذن «ق» كاذبة.

إن القضية الصادقة هي قضية صادقة، بغض النظر عن شعورنا تجاه نتائجها، ومن الحصافة أن نسلم بأن العالم لم يفصل حسب طلبنا، وأن الأشياء لا تأتي على مقاس رغباتنا ومصالحنا، وأن ما نود أن يكون عليه الحال هو أمر غير ذي صلة بما هو عليه الحال بالفعل ، ليس ثمة علاقة منطقية تربط ما بين نتائج اعتقادنا في قضية ما وبين «قيمة صدق» هذه القضية (أي نصيبها من الصدق والكذب).

ربما يستدعي ذلك في الذهن قول فرويد في «محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي»: «أوذي الإنسان ثلاث مرات في غروره واعتزازه بنفسه وبمكانته في العالم: كانت المرة الأولى عندما تم التحول الأكبر في عصر النهضة من مركزية الأرض إلى مركزية الشمس على يد كوبرنيكوس (1473-1543م) الذي افترض أن أرضنا ليست هي مركز الكون، وكان من الضروري أن يستخلص الإنسان من ذلك أنه ليس تاج الخليقة وأن العالم لم يخلق من أجله، وكانت المرة الثانية عندما قدم تشارلس دارون (1809-1882م) كتابه عن أصل الأنواع عن طريق الانتخاب الطبيعي، فأثرت نظريته في التصور الديني بوجه خاص عن كون الإنسان صورة الله وخليفته في الأرض، أما المرة لثالثة فكان الأذى أشد قسوة وأعمق جرحا، إذ جاء من جانب البحث السيكولوجي الراهن الذي يريد أن يثبت للأنا أنها لا تملك حتى أن تكون سيدة في بيتها الخاص، وإنما تظل معتمدة على أنباء شحيحة عما يجري بصورة غير واعية في حياتها النفسية» (محاضرات تمهيدية في التحليل النفسي، محاضرة 18).

أمثلة (1)

لا بد من أن تكون «مركزية الأرض»

geocentrism

نظرية صحيحة، وإلا لكان الإنسان كائنا هامشيا شديد التفاهة وليس صورة الله وخليفته في الأرض. (2)

من المؤكد أن «نظرية التطور» نظرية مغلوطة، وإلا لكان الإنسان قريبا لبقية الحيوانات، وكان له أن يفعل فعلها ويسلك مسلكها. (3)

اعتقاد الطفل في وجود بابا نويل يجعله سعيدا ومستبشرا ومهذبا، إذن بابا نويل موجود. (4)

من المحال أن تنشب حرب نووية في أي وقت من الأوقات، إن ذلك كفيل بأن يجعلني متوجسا هلعا لا أذوق للنوم طعما. (1) رهان بسكال

pascal’s wager

تقوم حجة الرهان الشهيرة للفيلسوف الفرنسي بليز بسكال على الموازنة بين النتائج المترتبة على الإيمان وتلك المترتبة على عدم الإيمان، وقد آثرت أن أفرد لرهان بسكال عنوانا منفصلا؛ وذلك لأنه محل خلاف بين الفلاسفة منذ زمن طويل، فهو مغالطة أكيدة لدى البعض، وبخاصة من أصحاب المذهب الطبيعي ، وهو حجة سديدة لدى البعض الآخر، مثل وليم جيمس الذي أسهب في تبيانه في كتابه «إرادة الاعتقاد»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٣٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٣٧