تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليست الحقيقة ديمقراطية بالضرورة، فقد يصيب شخص واحد في التفكير مثلما يصيب مائة شخص، وقد يخطئ مائة مثلما يخطئ واحد، وما ينبغي لموقف ما أن يكون حقا لمجرد أنه موقف أغلب الناس، ولا لموقف أن يكون باطلا لمجرد أنه موقف القلة، تلك حقيقة ما يزال يلح عليها درس المنطق ودرس التاريخ، إنما تستند الحجة على دعائمها المنطقية الخاصة وليس على عدد مؤيديها، وكم اعتقد الناس اعتقادات بلغت مرتبة اليقين وجرت مجرى البديهيات، ثم تبين بعد ذلك أن تلك الاعتقادات الكبرى كانت أخطاء كبرى!

غير أن علينا أن نتجنب الغلو في الاستهانة برأي الأغلبية، وبخاصة إذا كان العدد هنا يحمل مغزى المراجعة ويضطلع بوظيفة التدقيق والتنقيح والتحقيق: وإلا فما معنى مراجعة الحسابات (وهو عمل محاسبين متعاقبين)، ومراجعة النظراء

peer review

في مجال البحث العلمي، وشرط تعدد الشهود في الجرائم، واتفاق القضاة والمحلفين في الأحكام، وتكرار التجارب

replication

في العلم؟! العقلانية إذن تعني التذرع بالمبررات العقلية التي تثبت للنقد العام، أي التمحيص، قد يكون الفرد شاذا في مبررات اعتقاده، ولا يصبح عقلانيا بحق إلا حين يدرك أن عليه ألا يكتفي بإقناع نفسه بل أن يقنع كل من يتفحص أدلته وبراهينه، الحقيقة ليست ديمقراطية ... نعم ولكن التبرير العقلي يجب أن يكون منفتحا على النقد العام وأن يتم في وضح النهار.

ثمة أيضا حالات يكون فيها التذرع بالجموع مبررا وغير خارج عن الموضوع، وذلك عندما يكون اعتقاد الأغلبية، أو اعتقاد النخبة المنتقاة، هو المحدد للحقيقة في المسألة المعنية:

تعريفات الألفاظ مثلا هي مسألة اصطلاحية تتوقف على ما اتفق عليه عموم الأشخاص في جماعة لغوية معينة.

الاستخدام القياسي للرموز في جماعة بعينها هو أمر يتوقف على اتفاق الناس ككتلة وحشد.

صيحات الأزياء وغيرها من الموضات في شتى المجالات هي، بحكم التعريف، ميل الأغلبية من الناس، أو ميل سراة الناس وصفوتهم، في مجال معين في زمن معين.

التوجه السياسي في البلاد الديمقراطية يحدده الشعب بوصفه شعبا، ومن ثم فلا مفر في هذا المجال من الاحتكام إلى الاقتراع العام والاحتكام إلى اختيار الأغلبية، «تستند هذه الأشكال السياسية الديمقراطية إلى فكرة أنه ليس هناك فرد بلغ من الحكمة أن يعرف للآخرين مصالحهم ووسائل سعادتهم وخيرهم أكثر منهم وأن يفرضها عليهم بغير رضاهم، كل فرد يتأثر في فعله ومتعته بحالته المترتبة على النظام السياسي الذي يعيش في ظله، ومن ثم فإن له حقا في تحديد هذا النظام.»

1

الفصل العاشر

| الاحتكام إلى القوة (منطق العصا، اللجوء إلى التهديد)

| ad baculum; appeal to force

جلوا صارما وتلوا باطلا

وقالوا: صدقنا؟ فقلنا: نعم

المعري

ليست هذه هي الطريقة التي ينبغي على الكائن العاقل أن يعتنق بها الحقيقة، ليس هذا عرفانا بالحقيقة، وما الحقيقة التي يعتقد بها على هذا النحو سوى خرافة كبيرة التصقت بالمصادفة بالألفاظ التي تشير إلى حقيقة.

جون ستيوارت مل، عن الحرية

إلى أوكسفورد أرسل الملك فرقة من الفرسان؛

لأن التوريين لا يعرفون الحجة بل القوة،

وإلى كمبردج أرسل نفس القدر كتبا؛

لأن الهوجيين لا يسلمون بالقوة بل بالحجة.

وليم براون

حين يقول ستالين: «ارقص» فإن الرجل الحكيم يرقص .

خروتشوف ***

ليست الحرية شيئا «يضاف» إلى الفكر، فيكون لدينا فكر حر بعد أن كان لدينا فكر غير حر، فالفكر الحقيقي لا يكون إلا حرا، الفكر حر بحكم ماهيته وحكم تعريفه، الحرية ليست «محمولا»

predicate

للفكر بل «كيفية وجود» أو «أسلوب كينونة»، الحرية ليست شيئا «يعرض» للفكر بل هي شيء «يكونه»! بدون حرية أنت لا تفكر ... بل تردد وتكرر ... وتصفر كجنادب الليل ... وتبيع إحدى جوارحك كالبغي لتشتري السلامة، والفكر غير الحر ليس فكرا، وإنما هو ك «النقطة الممتدة» و«المربع المستدير» ... تناقض ذاتي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٣٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٣٥