أمثلة (1)
الشمس تدور حول الأرض لأن الكتاب المقدس يقول ذلك بوضوح لا لبس فيه. (2)
يؤكد العالم الكبير وليم جينكينز الحائز على نوبل في الفيزياء أن فيروس الإنفلونزا سوف يتم القضاء عليه بجميع أنواعه بحلول عام ألفين وخمسين، ومثل هذا العالم الفذ لا يستهان برأيه. (خبير في غير مجاله.) (3)
ليس للتدخين كبير ضرر على المدخنين، هكذا أثبتت دراسة فريق الأطباء الباحثين الذين يعملون لدى شركة مارلبورو. (خبرة متحيزة أو مجروحة.) (4)
لقد حددت رقم حظي وتعرفت على شريك حياتي الملائم: لقد استشرت في ذلك الأستاذ جبور جبور الفلكي الشهير في عيادته. (مبحث معرفي زائف.) (5)
يقول «المتخصصون» إن سنسوداين هو أفضل معجون يضمن سلامة الأسنان. (خبرة غير محددة.) (6)
لا شك أن برسيل هو مسحوق الغسيل الأفضل لجميع الألوان، هكذا أثبتت «الأبحاث العلمية». (7)
لا أستعمل غير عطر أوبيام؛ لأنه أفضل العطور جميعا، هكذا يقول عمر الشريف في الإعلان.
ومهما يكن من شأن السلطة وهيبتها وجدواها فهي في نهاية المطاف ليست معرفة من المنبع
first hand
بل معرفة بالوساطة
second hand ، وهي في نهاية المطاف معيار غير أساسي وغير مباشر، بل مشتق من غيره ومتكئ على سواه، ويعلمنا التاريخ قديمه وحديثه أن السلطات تخطئ وتجهل وتتضارب وتصطرع، وتتخذ هي ذاتها معايير للحق متباينة مختلفة؛ ولذا فإن المعرفة المستمدة من السلطة لا تعدو أن تكون «ظنا» أو «دوكسا»، ولا ترقى إلى أن تكون معرفة بالمعنى الدقيق للكلمة، ويجمل بنا بعد كل شيء أن نتجنب الاحتكام فلنشفعه بعرض البينة التي تستند إليها هذه السلطة بقدر ما يسعفنا الإلمام والفهم.
الفصل الثامن
| مناشدة الشفقة (استدرار العطف)
| Ad misericordiam; appeal to pity
إذا قيل حلما قال للحلم موضع
وحلم الفتى في غير موضعه جهل
المتنبي
في الثمانينيات من القرن التاسع عشر أثبت الادعاء، في محكمة فرجينيا بالدليل الدامغ ضلوع صبي بقتل والديه بفأس، فما كان من الدفاع سوى أن دفع ببراءة الصبي قائلا: «أليس يكفي أنه أصبح يتيما لا أحد يتولى أمره؟!»
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا
مضر كوضع السيف في موضع الندى
المتنبي ***
العطف شعور نبيل يتحلى به كل ذي أصل كريم، والشفقة عاطفة نبيلة يتسم بها كل ذي معدن طيب، لا بأس قط باستدرار العطف والشفقة إذا استدعى السياق وخلصت النية، إنما يكمن الخطأ في أن تسند إلى العطف وظيفة البينة، وأن تأخذ الشفقة مأخذ الحجة.
أمثلة (1) «... فلتأخذكم الشفقة بهذه المتهمة يا حضرات القضاة، فإنها إذا أودعت السجن فسوف تتحطم حياتها وحياة من تقوم برعايتهم. أليس الأولى أن ننقذ حياة لا أن نحطم حياة؟» (ليست الشفقة هنا في غير موضعها فحسب (لم يذكر الدفاع حال المجني عليه الآن وحال عياله!) بل إنها خارجة عن الموضوع وغير ذات صلة بعملية الدفع.) (2) «... لا بد أن الحل الذي توصلت إليه لهذه المسألة الرياضية هو حل صحيح: لقد توصلت إليه بعد عناء خمس ساعات من اعتصار الفكر والتركيز المتصل.» (إن الفكرة الخطأ هي فكرة خطأ سواء كانت نتاجا لخمس دقائق من التفكير أو لخمسة عقود! وإن الزمن الذي أنفق أو الجهد الذي بذل في فكرة ما لا ينبئنا بشيء عن صوابها أو خطئها، إنه، ببساطة، خارج عن الموضوع.) (3) «... ينبغي تيسير الامتحانات على جميع الطلبة؛ لأنكم تعرفون مدى البؤس الذين يرين على الطالب المتوسط أو الضعيف حين يحصل على درجات متدنية أو حين يرسب.» (للحلم «موضع» حقا، هو بالنسبة لهذا المثال في وزارة الشئون الاجتماعية لا في وزارة التربية والتعليم أو وزارة التعليم العالي، وما أفسد التعليم مثل هذا «التيسير» الذي يتملق الحشود ويذبح النوابغ ويطمس بريقهم ويسويهم بالأواسط الأنصاف