هذا رجل فاشي معروف، وأي رأي يبدر منه «سيكون» محل ارتياب ويصب في مصلحة العدو في نهاية المطاف. (تسميم بالسب.)
الفرق، كما ترى، بين تسميم البئر وبقية ضروب الحجة الشخصية، هو أن التسميم يتم مقدما؛ أي قبل أن يأخذ الخصم فرصة لعرض قضيته، وقد يكون له تأثير عظيم على مسار الجدل وقد يحبط المعارضة ويعيقها بدرجة كبيرة، وعلى كل من يدخل نقاشا كهذا أن يخطو بجسارة فوق الإهانة وأن يلج إلى صميم الموضوع، والحق أن تسميم البئر ليس مغالطة بالمعنى الدقيق؛ لأنه ليس حجة، إنه أشبه، بالأحرى، بشرك غفلة منصوب لكي يغري الجمهور الغافل بارتكاب مغالطة الحجة الشخصية
ad hominem ، وعلينا في هذا المقام، كما في غيره، أن نتذكر أن الحجة ينبغي أن تقف على أرجلها الخاصة أو تسقط بعيبها الخاص، بغض النظر عن شخص قائلها أو عيوبه.
الفصل السابع
| الاحتكام إلى سلطة
| ad verecundiam; appeal to authority
إياك واحذر أن تكو
ن من الثقات على ثقة
ابن فارس
كذب الظن لا إمام سوى العق
ل مشيرا في صبحه والمساء
المعري ***
يعني «مذهب السلطة» (في الأخلاق وغيرها)
authoritarianism
أن المصدر النهائي للمعرفة هو سلطة من نوع ماء، سلطة قيمة على أمر بعينه، قد تكون هذه السلطة نظاما كالكنيسة، أو نصا كالكتاب المقدس، أو قانونا أخلاقيا أو مدنيا، أو شخصا، سلطة أهل العلم والاختصاص كل في مجاله، في العصور الوسطى المتأخرة، على سبيل المثال، صارت فلسفة أرسطو عقيدة راسخة لا تناقش وكانت أقواله تستحضر لحسم الجدال لا لإثرائه، وقد بلغ شخص أرسطو من الجلال والهيبة بحيث صار يعرف ب
Ille Philosophus (الفيلسوف، بألف لام التعريف)، وصار الاستشهاد بقوله يعرف ب
ipse dixit (هو، نفسه، قال ...)
يقع المرء في مغالطة «الاحتكام إلى سلطة»
ad verecundiam
عندما يعتقد بصدق قضية أو فكرة لا سند لها إلا سلطة قائلها، قد تكون الفكرة صائبة بطبيعة الحال، وإنما تكمن المغالطة في اعتبار السلطة بديلا عن البينة، أو اتخاذها بينة من دون البينة!
لا بأس على الإطلاق في الاحتكام إلى سلطة، وإننا لنحتكم بالفعل إلى سلطة الخبراء في كل مجال كلما أعوزتنا الخبرة أو المعرفة الكافية في ذلك المجال، فالمعرفة تخصص، والخبراء هم الأشخاص الذين نذروا عمرهم في دراسة مجال بعينه والتمرس به حتى حصلوا فيه معرفة تجعلهم أبصر بأصوله وفروعه وأقرب صلة بالحقيقة في شئونه وشجونه، ومن ثم فإن لنا كل الحق في أن نستفتيهم ونسألهم الرأي والمشورة في مجالهم لأن لدينا ما يدعونا إلى الاعتقاد بأن رأيهم في ذلك أقوم من رأينا وخبرتهم أصدق من خبرتنا، فإذا ألم بالمرء مرض لا خبرة له به فإنه يلجأ إلى الطبيب المختص ويأخذ بمشورته ويتبع إرشاداته، وإذا استعصى عليه خلل بجهاز الحاسوب فإنه يلجأ إلى خبير بالحواسيب ليصلح له الخلل، وهكذا الحياة وبخاصة في العصر الحديث: تخصصات وأفرع موكل بها خبراء متخصصون نثق برأيهم ونأتمر بأمرهم ونحتكم إلى سلطتهم، ليس في الأمر هنا حجب للدليل أو استهانة بالبينة، بل توجه إليهما والتماس لهما (في مظانهما)! فما جعل الخبير خبيرا في نظرنا إلا ثقتنا بأن عنده الدليل ولديه البينة.
على أن الأمور على صعيد الواقع لا تسير دائما هذا السير الهين ولا تسلك دائما هذا الجدد الآمن، يبدأ التعثر والوقوع في الاحتكام المغالط إلى السلطة في الأحوال التالية: (1) إذا كان الاحتكام إلى السلطة غير ضروري
ذلك أن كثيرا من الأمور تخضع للملاحظة المباشرة أو الحساب المحض، هنالك يلتقي المرء التقاء مباشرا بالبينة ويكون الالتجاء إلى السلطة لطلب البينة هو عبث لا معنى له وكسل يستوجب اللوم، إنه أشبه بالتيمم وقد حضر الوضوء! ذلك أن الملاحظة المباشرة أعلى يقينا من السلطة وتجب أي سلطة، هكذا كانت ثورة «النهضة» ضد سلطة أرسطو وسلطة الكتاب المقدس، تلك الثورة التي أعقبت تطورا علميا حقيقيا لم تشهد البشرية مثله في العصور السوالف، لقد كان رأي أرسطو في العصور الوسطى يؤخذ مأخذ التسليم حتى في الأمور الإمبيريقية التي تمكن معرفتها بسهولة بواسطة الملاحظة، وكأن ذهن أرسطو أصدق رؤية من نواظر الخلق!