تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وإنما تفعل مغالطة الظروف الشخصية فعلها لأنها تحاكي حذرنا المشروع من صراع المصالح أو تلعب على وتره، غير أن الحجج شيء والقرارات شيء آخر: فقد يؤدي صراع المصالح بشخص ما إلى التفكير الخطأ وبالتالي إلى القرار الخطأ، غير أن صراعه الخاص ينبغي ألا يؤثر على تقييمنا لحجته، وعلينا أن نقرر أنقبل حجته أم لا نقبلها، فالقرار الآن هو قرارنا نحن لا قراره، وعليه فمن الحصافة الآن أن نتوقى صراع مصالحنا نحن، أما صراع مصالحه فهو تشتيت خارج عن الموضوع. (4) أنت أيضا (تفعل ذلك)

Tu quoque

يا أيها الرجل المعلم غيره

هلا لنفسك كان ذا التعليم

لا تنه عن خلق وتأت بمثله

عار عليك إذا فعلت عظيم ؟؟

يحرم فيكم الصهباء صبحا

ويشربها على عمد مساء

إذا فعل الفتى ما عنه ينهى

فمن جهتين لا جهة أساء

المعري

تعني عبارة

tu quoque : أنت أيضا؛ أي أنت أيضا تفعل ذلك، هنا يقلب المغالط الطاولة على خصمه، باعتباره لا يفعل ما يعظ به، أو لا يجتنب ما ينهى عنه، ويظن المغالط أنه قد تم له بذلك تفنيد الخصم ورد سهمه إلى نحره، وكأن الخطأ يشرع الخطأ أو كان «خطأين يصنعان صوابا»

two wrong make a right .

أمثلة (1)

أقلع عن التدخين يا بني فهو ضار بالصحة متلف للمال.

لست أقبل حجتك يا أبي فقد اعتدت أنت نفسك التدخين حين كنت في مثل سني. (2) «كيف أستمع إلى نصيحة هذا الطبيب بخفض وزني إذا كان هو نفسه بدينا كالدب؟!»

تعمد هذه المغالطة إلى صرف الانتباه عن حجة الخصم إلى سلوكه، أو إلى أفكاره الأخرى، الراهن منها أو الماضي، فالحق أن تورط الخصم في ذات الخطأ لن يحول الخطأ إلى صواب، وأن الدفع بتورط الغير في الفعل نفسه إنما هو تشتيت لا صلة له بصدق التهمة الأصلية، على أنه تكتيك يضلل الخصم عن صلب الموضوع ويؤثر تأثيرا بالغا في مسار الجدل، إذ إنه يضع الخصم في موضوع دفاع وكثيرا ما يستنفد جهده في الدفاع عن نفسه! إن المغالط هنا لم يتناول التهمة المطروحة ولم يجب عن السؤال الموجه، بل حول التهمة ببساطة إلى الخصم أو السؤال إلى السائل! لقد خرج عن الموضوع وغالط لأن اتهامه للخصم حتى لو صح فهو لا يمس التهمة الأولى ولا يتصل بالسؤال الأصلي، وأقصى ما يمكنه تحقيقه هو أن يثبت أن الخصم منافق لا أن حجته باطلة.

ولعل أفضل تصرف تأتيه إذا واجهك خصمك بهذه المغالطة هو أن تبتسم معترفا، ثم ترده في الحال إلى حجتك الأصلية التي لم يرد عليها بعد، بذلك تحبطه عن تشتيتك وإخراجك عن الموضوع، وبوسعك، إن شئت، أن ترجئ انتصافك لنفسك إلى مقام آخر. (4-1) دفع الظلم بالظلم

ادفع بالتي هي أحسن السيئة (المؤمنون: 96).

أجدر بمن ذاق مرارة الظلم أن يعفي منه ضحايا جددا.

يبدو أن العدالة تقتضي أن يكون الطرف المتضرر هو نفسه بريء الساحة، يتجلى ذلك فيما نأخذ به عادة من مبادئ تحملنا على كف الملام عن الطرف المتهم إذا كان المجني عليه يرتكب الفعل ذاته:

من كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

اللي بيته من إزاز ...

وكثيرا ما يستغل هذا الميل الفطري لدى البشر لخلق تعاطف مع المتهم وصرف الانتباه عن جريمته النكراء بتبيان أن المتضرر نفسه يرتكبها، ذلك منطق الاستحلال والاستباحة، وهو منطق مغلوط؛ لأن قصارى ما يمكن أن يبرهن عليه هو أن الطرفين كليهما على خطأ.

لا شك أن العدالة تقتضي المعاملة بالمثل، غير أن هذا المبدأ نفسه لا يجعل من الخطأ صوابا، وإلا اختلطت الأمور واغتفرت الجرائم وبرئ المجرمون، بل كوفئوا، بالنظر إلى أن الآخرين قد ارتكبوا في حقهم نفس الظلم.

تتغذى العداوات والضغائن، بين الأفراد وبين الشعوب، على هذه المغالطة العتيدة، وعليها تقوم جريمة الثأر وتجد تبريرا وجيها، فمظالم الماضي تظل حية صارخة تفسد على الناس حاضرهم وتهدد مستقبلهم، إنما الدولة هي من يتولى تصويب أخطاء الأفراد، والمجتمع الدولي هو من ينبغي عليه أن يتولى تقويم زيغ الشعوب؛ حتى لا نقنع بدفع الظلم بالظلم وتصويب الخطأ بالخطأ. (4-2) خطآن يصنعان صوابا

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٢٦

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٢٦