تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

misleading vividness

يلحق بالتعميم المتسرع ما يعرف ب «النصوع المضلل»، حيث يؤخذ مثال واحد (أو حفنة من الأمثلة) بأكثر من دلالته الإحصائية بسبب وهجه ودراميته، يعود ذلك إلى الأثر النفسي الذي يتركه الحدث الدرامي في الذهن، وكأنه يقوم في حساب الذاكرة مقام عشرة أحداث عادية خاملة، يعزو السيكولوجيون هذا الأثر النفسي إلى فرضية كشفية معرفية تسمى

availability heuristic ، من ذلك أن شخصا نجا من حادث تحطم طائرة قد يميل حقا إلى الاعتقاد بأن معدلات كوارث الطيران أكبر من معدلات غيرها من الكوارث، وأن السفر بالطائرة أخطر من السفر بأي وسيلة أخرى، وإن كانت الإحصائيات تقطع بخطأ هذا الاعتقاد. •••

وبعد، فحين يسمح المرء لعقله أن يشيد تعميمات عريضة على أساس معلومات شحيحة أو أدلة هزيلة أو أمثلة قليلة أو عينة غير ممثلة فلن يعييه أن يقيض أدلة لكل شيء ويجد بينة لأي دعوى مهما بلغت من البطلان والسخف، ولن يعجزه أن يؤيد أي شيء يميل إلى الاعتقاد به ما دام يعنيه الاعتقاد ولا تعنيه الحقيقة.

لعل التعميم المتسرع من أكثر المغالطات شيوعا، فهو يتبطن كثيرا من التحيزات العرقية والعنصرية والنعرات الشوفينية والطائفية والطبقية والتعصب الديني والأيديولوجي، كذلك يتبطن التعميم المتسرع كثيرا من الأوصاف النمطية عن الشعوب المختلفة (الإنجليزي، الهندي، الإيطالي ...) وعن أهل الأقاليم المحلية (المنوفي، الشرقاوي، الدمياطي، الطنطاوي، البحيري، الصعيدي ...) وربما يتبطن كثيرا من اعتقاداتنا حول أصناف المنتجات وماركات الأجهزة التي تقوم في الغالب على بضعة أمثلة من واقع خبرتنا الحياتية القصيرة المحدودة.

والحق أننا مضطرون إلى التعميم في حياتنا العملية، ولا يسعنا إلا التعميم إذا شئنا أن نفكر في أي شيء أو نتخذ أي قرار، ويبقى أن نتبع الأسلوب العلمي في استخلاص التعميمات، وأن نتجنب التعميم المتسرع جهد استطاعتنا، وأن نملك تعميماتنا ولا تملكنا؛ أي أن نجعل منها مجرد فروض عمل قابلة للمراجعة والتنقيح لا اعتقادا دوجماويا صلبا يأخذ علينا سبل التأمل ويسد علينا منافذ التفكير.

ملاحظتان

أحيانا ما نضطر اضطرارا إلى اتخاذ عينة صغيرة جدا، وذلك عندما لا تكون في حوزتنا غيرها، ومن الغبن أن يتهم المرء بالتعميم المتسرع إذا كانت العينة المتاحة للدراسة محدودة جدا ولم يتسن له أي مصدر آخر للمعلومات، كثيرا ما يضطر علماء الكتابات القديمة مثلا إلى استخلاص أصولها من عينات شحيحة للغاية مثل حجر رشيد، وكثيرا ما يضطر علماء البيولوجيا مثلا، وبخاصة علماء الحفريات، إلى دارسة عينة وحيدة عن حيوان ما.

قد يفضي التعميم المتسرع، شأنه شأن أي مغالطة أخرى، إلى نتيجة صادقة، ولا يندر أن تأتي نتيجة صادقة عن استدلال مغلوط، ولكن ما دام الاستدلال مغلوطا فليس ثمة مبرر لقبول نتيجة قائمة على مثل هذا الاستدلال.

الفصل الرابع

| تجاهل المطلوب (الحيد عن المسألة)

| ignoratio elenchi; missing the point

إذا كان الرماة رماة سوء

أحلوا غير مرماها السهاما

شوقي

المقدمات أخطأت هدفها،

وحادت عن مرماها

عمدا أو فرط انفعال،

غير أنها تستقبل بالتهليل

لأنها تحمل صيدا على كل حال! ***

في هذه المغالطة يتجاهل المرء الشيء الذي يتوجب أن يبرهن عليه، ويبرهن على شيء آخر، وقد يبدو استدلاله معقولا بحد ذاته، ولكن المغالطة هنا في أنه يبرهن على نتيجة أخرى غير النتيجة المطلوبة التي يتعين عليه أن ينصرف إليها دون غيرها، بذلك تتسم الحجة بسمتين: أنها قد خرجت عن الهدف المحدد لها، وأنها قد اتجهت مباشرة إلى نتيجة أخرى.

يقف محامي الادعاء في جريمة قتل، وبدلا من أن يبرهن بالحجة على أن المتهم هو مرتكبها، يشرع في إثبات بشاعة القتل وبشاعة الجريمة، قد ينجح الادعاء في تقديم مرافعة عصماء ويثبت هول جريمة القتل بألف حجة، غير أنه إذا جعل من ذلك دليلا على أن المتهم مذنب بها يكون قد ارتكب مغالطة «تجاهل المطلوب»

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ٢١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ٢١