7 (1-3) المنشأ السيكولوجي (والاجتماعي) للأفكار
ليس هناك أدنى شك في أن العوامل الاجتماعية والنفسية ضالعة في نشأة الأفكار والمذاهب، وأن فهم هذه العوامل هو شرط لا بد منه لفهم هذه المذاهب وتقييمها، وقد دبج «فيلسوف القرن» برتراند رسل سفرا ضخما في تاريخ الفلسفة أسماه: «تاريخ الفلسفة الغربية: وصلته بالظروف السياسية والاجتماعية منذ أقدم العصور إلى اليوم» (نعني أنه عرف صلة هذه الظروف بفكر الفلاسفة، ولا نعني أنه اقتصر عليها).
غير أن الاقتصار على تقييم الأفكار وفقا للظروف الاجتماعية التي اكتنفتها والدوافع السيكولوجية التي أوقدتها، والاكتفاء بتحليل هذه الدوافع كبدليل عن تناول الحجج ذاتها - يعد سقوطا مزريا في المغالطة المنشئية، فإذا أمكن لعلم النفس أن يكشف شيئا من الآليات السيكولوجية التي كانت تعتمل بنفس المفكر وهو يبدع مذهبه، فإنه يقف أعزل أمام البناء الاستنباطي للمذهب والنسيج المنطقي للأفكار، فإذا ما نزغ له مبحثه السيكولوجي أن يعمل أدواته ومقولاته في تلك الأقاليم المنطقية فإنه يهزل ويهتر، ويغرب ويغترب، ويقع في «خطأ مقولي»
category mistake
8
فاضح فيصف الشيء بما لا يوصف به!
هذا ما يمكن أن يحدث في أمثل الأحوال ومع أعتى علماء النفس وأفقههم، أما ما يحدث في الواقع الفعلي ويغثينا كل يوم في الجرائد والكتب والدوريات ووسائل الإعلام فهو ضرب من «السيكولوجيا الشعبية»
pop psychology
الركيكة التي ترتجل الديناميات النفسية ارتجالا وتكتفي لتفنيد الفكرة بإلصاق دوافع سلبية لا دليل عليها، بله أن تكون دليلا على خطأ الفكرة.
فهذا معارض للحكومة لأنه عانى في طفولته من علاقات متعسرة مع والديه أدت به إلى صعوبة في تقبل السلطة، وفي تقبل كل «صورة والديه»
parental figure !
وهذا نشأ في أسرة مفككة، أو أسرة معدمة، أو أسرة ثرية بورجوازية، وهذا تعرض للإيذاء في طفولته الباكرة، وهذا أفرط أبواه في تدليله (أو تكديره)، وهذا كان أبوه قاسيا (أو لينا) ... إلخ.
ومهما تكن أوضاع الخصم فلن تعدم أن تقيض له دوافع سيكولوجية توظف لتقويض فكرته!
الفصل الثالث
| التعميم المتسرع
| hasty generalization
ولا تشيد صرحا من الأوهام المزعجة على أساس غير متين من ملاحظاته الناقصة.
شكسبير، عطيل
ما نكاد نتلقى «حبة» من الوقائع
facts
حتى نشيد منها «قبة» من التعميمات.
جوردور أولبورت
تقول الديكة الرومية:
الفلاح قدم الذرة لنا اليوم،
الفلاح قدم الذرة لنا أمس،
الفلاح قدم الذرة أمس الأول،
الفلاح يقدم لنا الذرة منذ أشهر عديدة،
الفلاح سيظل يقدم لنا الذرة إلى الأبد،
الفلاح يحبنا ويحرص على حياتنا وراحتنا. ***
افترض أنك كنت في مكتبة فلاحظت أن الكتب المرصوصة في قسم معين تتضمن عناوين مثل: ميرامار، بين القصرين، المعذبون في الأرض، عودة الروح، وا إسلاماه، شيء من الخوف، سارة، بين الأطلال، قد تستنتج من ذلك أن كل، أو أغلب، الكتب في هذا القسم هي في الرواية، إن مقدمتك تقوم على ملاحظتك لمجموعة بعينها من الكتب، وإن نتيجتك معممة لتشمل المجموعة الأكبر من الكتب التي يشتمل عليها هذا القسم من المكتبة.
هذه هي عملية «التعميم الاستقرائي»
inductive generalization
التي من خلالها نستمد خصائص فئة كلية من خصائص «عينة»
sample
من هذه الفئة، أو نستخلص نتيجة حول «جميع» الأعضاء في مجموعة ما من خلال ملاحظات عن «بعض» أعضاء هذه المجموعة:
ملاحظة 1: «س1» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة 2: «س2» يتسم بالخاصة «ص».
ملاحظة 3: «س3» يتسم بالخاصة «ص».
وهكذا ...
إذن كل «س» يتسم بالخاصة «ص».
يستخدم التعميم الاستقرائي في مجالات كثيرة مثل البحث العلمي والمسح الاجتماعي واستطلاعات الرأي السياسية ... إلخ، غني عن القول إن ملاحظة جميع الأفراد (المجتمع الأصلي