وفي كتابه «النقد الفني» يصوغ جيروم ستولنيتز المغالطة المنشئية (مغالطة الأصل) صياغة محكمة فيقول:
وبالاختصار فإن منشأ «س» شيء، و«س» ذاتها شيء آخر، وما إن تبدأ «س» في الوجود حتى تصبح لها حياة خاصة بها، إن جاز التعبير، وسوف يصبح لها - شأنها شأن النظرية أو الكائن البشري - تركيب وقيمة، وتدخل في علاقات مع الأشياء الأخرى، لا يمكن فهمها تماما من خلال أصلها الأول، فلا بد لنا من دراسة هذه السمات لكي نعرف كنهها.
2
أمثلة «إن مستشار ألمانيا الحالي كان طفلا في الثالثة عندما كان هتلر في السلطة، وبالنظر إلى هذه الخلفية فإن خطة «الإصلاح» التي يقدمها ستكون برنامجا نازيا بالضرورة.» «كيف تسمح لنفسك أن تتخذ خاتم زواج (دبلة) وأنت تعلم أن هذا الرمز يعود إلى أصول بدائية همجية، عندما كانت المرأة تسلسل من أعقابها بعقال، كالدواب المملوكة؛ حتى لا تفر من زوجها؟!» «إن هذا الدواء مستمد من نبات سام، فهو إذن سيضر بي أشد الضرر إذا أنا استعملته، حتى لو كان طبيبي ينصحني بذلك.» (الخطأ هنا هو في الانتقال غير المشروع من أصل الدواء «النبات السام» إلى استنتاج أنه سام بالضرورة في أي شكل وأي موقف.) «اليوجينيا (تحسين النسل)
eugenics
علم ضار على نحو مطلق، والعبث بالجينات عمل فاشي نازي، هكذا كان هتلر يحاول من قبل، فكيف نمضي في شيء بدأه شخص مثل هتلر؟!» (1) مصدر النظرية العلمية
ويلح فيلسوف العلم كارل بوبر في غير موضع من كتاباته على أن مصدر النظرية العلمية هو أمر لا صلة له البتة بوضعها العلمي، أي بتحديد ما إذا كانت النظرية علمية أم لا، فالنظرية لا تكون علمية ما لم تكن «قابلة للتكذيب»
Falsifiable ، يستوي في ذلك أن تكون النظرية قد جاءت من المختبر أو من نفحة إلهام، بالطبع قد تكون إحدى الطرق أكثر خصوبة من غيرها كوسيلة لإنتاج نظريات أصيلة، ولكن هذا لا علاقة له بالسؤال عما إذا كانت عبارة ما هي عبارة علمية أم غير علمية، ولا علاقة لها بالسؤال عن مدى أصالتها العلمية إن كانت عبارة علمية، ليست هناك طريقة آلية يمكن بها للعلم أن يحقق تقدما، وبوبر في ذلك يرخي العنان للتأمل الخيالي الجريء، فالعلم ليس أقل احتياجا للخيال من أي فن آخر من الفنون، وفي معرض نقده لفرويد لم يأخذ عليه طريقته في الكشف ولم يعرض لهذا الأمر قط، فهو لا يعنيه مصدر النظرية بل يعنيه منطق الاختبار، وهو لا يسأل العالم من أين جاء بنظريته بل يسأله عما أعد لها من اختبارات قاسية، وقد لاحظ أينشتين من قبل أنه بينما يمكن للنظرية أن تختبر بالبينة
evidence
فليس هناك طريق من البينة إلى النظرية! ويظهرنا تاريخ الممارسة العلمية على أن الاقتحامات الكبرى في العلم تأتي عن طريق الحدس، ثمة دائما قفزة إبداعية تتجاوز المعلومات المتاحة وتضيف إليها شيئا ما مستجدا، وأحيانا ما تأتي ومضة الاستضاءة من الأحلام بالمعنى الحرفي!
أحيانا ما يحلم العلماء نظرياتهم حلما! وفي كتابهما «الإبداعية العالية: تحرير اللاوعي من أجل انطلاق الاستبصارات» يعرض وليز هارمن وهوارد راينجولد عددا هائلا من الأحلام العلمية، مثل: حلم كيكوليه ببنية حلقة البنزين إذ رأى في منامه أفعى تعض ذيلها (وقيل عدة أفاع تعض كل واحدة ذيل تاليتها)، وحلم نيلز بور بالنظام الشمسي كنموذج للذرات، وحلم ديمتري مندليف بالجدول الدوري للعناصر، لا لم يكن مصدر النظرية مما يعني بوبر من قريب أو بعيد، فلتأت النظرية من حيث تأتي، المهم أن تكون علما، أي قولا يحمل نبأ عن العالم المحدد الذي وجدنا فيه، ويحمل في تضاعيفه تنبؤات قابلة للاختبار.
3
ويذكر أن نظرية التطور خطرت لألفرد والاس بينما كان في حالة هذيان
delirium ، ومن الأحاديث الشهيرة ما يؤثر عن أرشيميدس من أنه توصل إلى مبدأ الثقل النوعي وقانون الطفو (الإزاحة) بينما كان يغتسل، فقفز من الحمام صائحا «وجدتها!»