تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

حديث شريف

خذ الحكمة ولا يضرك من أي وعاء خرجت.

حديث شريف

وإن تكن تغلب الغلباء عنصرها

فإن في الخمر معنى ليس في العنب

المتنبي

تولد الفكرة،

تنهض على أرجلها الخاصة،

تتوكأ على ذاتها،

وتغادر بيت أبيها،

ولا تعود تسقط بسقوطه،

أو تنجرح بانجراحه. ***

قوة الفكرة لا تكمن في الأصل الذي ينميها بل في المنطق الذي يزكيها.

وصواب الفكرة لا يحدده مصدرها الذي منه أتت بل الدليل الذي إليه تستند.

ثمة فرق بين السبب الذي يجعل الناس تعتقد في شيء ما

ratio credentis

وبين السبب الذي يجعل هذا الشيء حقا أو صوابا

ratio veritatis .

في أمثل الأحوال يكون الحق مبررا للاعتقاد، غير أنه لا يندر أن تنعكس الآية ويستخدم المرء مصدر اعتقاده (مرده وأصله ومنشأه) كما لو كان دليلا على صدق هذا الاعتقاد، فيقبل الشيء أو يرفضه بحسب أصل هذا الشيء ومصدره، وموقع ذلك من نفسه بين القبول والرفض ، هنالك يكون قد «خرج عن الموضوع» وتنكب «الصلة»

relevance

ووقع في خطأ منطقي عتيد يطلق عليه «المغالطة المنشئية»

genetic fallacy .

قد تعد المغالطة المنشئية ضربا من «البخل» المعرفي أو الذهني، فالبحث والتقصي لمعرفة التبرير المنطقي لاعتقاد ما قد يكون مرهقا ويتطلب وقتا وجهدا سخيا، ونحن قلما نسخو بالطاقة الذهنية عندما تتوافر لدينا خيارات أقل كلفة، من ذلك أن ننظر في أصل الاعتقاد ونتخذه معيارا لتقدير نصيبه من الصدق، لعلنا قد تبنينا هذا اللون من الاقتصاد الذهني عبر تطورنا النوعي؛ لأنه يسعفنا في أحيان كثيرة، وبخاصة عندما يكون الاستقصاء الدقيق بطيئا بدرجة خطرة، غير أن علينا أن نعترف أن هذه الآلية وإن تكن معينة على البقاء فهي ليست أوثق الطرق لاكتشاف الحقيقة.

بالإنسان إذن ولع متأصل بمعرفة مصدر الحجة، وقلما يولي الناس ثقتهم بآراء جاءت من مصدر يمقتونه، بغض النظر عن المزايا الفعلية لهذه الآراء نفسها، وكأنهم يقولون: فلتذهب هذه الآراء إلى الجحيم مع أصحابها؛ ربما لذلك تسمى هذه المغالطة أحيانا

damning the origin (لعن المصدر أو الأصل)، يتناسى هؤلاء أن الحجة إنما تنهض على أرجلها الخاصة وتستند إلى معايير صدقها وتقف بمعزل عن أصلها ولا تستقي منه قوة ولا ضعفا.

تجد هذه الآلية الفكرية مرتعا خصيبا في عالم الأفكار الرائجة والصيحات الفكرية السائدة، فيكفي أن تجلس في جمع من أدعياء الثقافة وتقول «هكذا قال رولان بارت أو جاك دريدا.» أو «هكذا يذهب تيار ما بعد الحداثة.» لكي يحظى قولك بالإكبار والإعجاب، كذلك حين تأتي التزكية للفكرة، أو للعمل، من مصدر ذي مكانة واعتبار فلا تدرك وجاهتها إلا منعكسة من وجاهة المصدر، كأنما تستعير منه الهيبة والجدارة، يذكر أن طاغور عندما أسندت إليه جائزة نوبل تنادى قومه لتكريمه والاحتفال به، فقال في شيء من الاستهانة والازدراء «إنهم يكرمون التكريم!» أي إنهم لم يفطنوا إلى قيمته من قبل، وإنما جاءوا لتكريمه بعد أن جاءته جائزة نوبل.

1

وفي محاورة فايدروس لأفلاطون يبين سقراط حجة معينة باختراع أسطورة صغيرة عن المصريين القدماء، فيرد عليه فايدروس بقوله: إن بوسع سقراط بطبيعة الحال أن يخترع قصصا عن المصريين القدماء أو عن أي مكان يشاء، عندئذ يرد سقراط على هذا النقد باختراع أسطورة إضافية:

يروى أن أولى النبوءات قد صدرت عن شجرة بلوط في محراب زيوس في دودونا، ولم يكن الناس قديما في بساطتهم على شاكلتكم معاشر الشباب في فلسفتكم، بل كانوا لا يستنكفون أن يسمعوا الحقيقة ولو من شجرة بلوط أو صخرة، فبحسبهم أنها الحقيقة، أما أنت فلا تقنع فيما يبدو بما إذا كان شيء ما حقا أم لا، بل يعنيك من القائل ومن أي بلاد تأتي الرواية.

في هذه الفقرة يذكرنا سقراط بأن ما تعنينا معرفته عن عبارة معينة هو ما إذا كانت حقا أم باطلا، أما المصدر الذي جاءت منه العبارة، سواء كان شجرة أو صخرة أو أسطورة مصطنعة خصيصا، فأمر خارج عن الموضوع.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوري · الصفحة ١٥

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

المغالطات المنطقية: فصول في المنطق غير الصوريص ١٥