121
يقول العقاد في كتابه «أنا»: «كما لاحظ بحق أحد أصدقائي، حين علم مرة باعتذاري من تلبية الدعوة إلى كثير من السياحات، وبعضها بغير نفقة على الإطلاق.»
122
حين كتب العقاد: «اعتذاري من تلبية الدعوة» وليس «اعتذاري من عدم تلبية الدعوة»، كان يطير بجناح مضري يعبر كل لفظ نافل، ويكره الثقل النغمي وكثرة المضافات، ويثق في فطنة سامعه، ويحذف كل ما دلت عليه القرينة، بينما ظل هواة قل ولا تقل يعثرون عثارا أرضيا ويعكزون على عكازات أرسطية ويدبون دبيبا!
نلعب في الوقت الضائع
إذا كانت اللغات جميعا لغات تمشي فإن العربية لغة تطير!
قريب من ذلك أيضا تعبير «يلعب في الوقت الضائع»، ونعلم جميعا أن الصواب «يلعب في الوقت بدل الضائع»، بعد تدخل المعالجة «المنطقية» للمسألة، وإفسادها لجمال التعبير الأصلي «في الوقت الضائع» الذي نحس له وقعا شعريا مؤثرا،
123
تقف الذائقة غير قريرة: ثمة قيمة أهدرت ... شيء من قلب اللغة قد احترش ... شيء من سر العربية أهين، لكأن الكيان المجازي قد لم متاعه ورحل!
قال تعالى:
هذا ما كنزتم لأنفسكم فذوقوا ما كنتم تكنزون ، لا بدله أو نتاجه بل هو، ولقد أهدرنا وقتا (ضائعا) وها نحن نلعبه (واحتذاء بالآية: هذا ما أضعتم من وقت فالعبوا ما أضعتموه)، بل انظر إلى قوله تعالى:
إني أراني أعصر خمرا
ولم يقل «عنبا» (باعتبار ما سيكون).
لكي نفهم الظاهرة اللغوية فإن علينا أولا أن نتعوذ من وسواس المنطق: اللغة التي تجيز أن نقول: «عامر»، ونعني «معمور»، و«فاقد» ونعني «مفقود»، ونقول: «لا عاصم»، ونعني «معصوم»، ونقول: «كاسية» ونعني «مكسوة»، ونقول: «لا غني ولا فقير»، و«لا حلو ولا حامض»، و«لا شرقية ولا غربية»، ونقول لصبينا: اذهب إلى السوق وهات عنبا حامضا، ونقول: أكل المال، شرب الكأس، قتل الوقت (لهوا)، قتل الأمر (بحثا)، تركت لمن «كان» بعدي، والموعد الله - مثل هذه اللغة لا تؤتى بالمنطق الأرسطي ولا الإقليدي، بل بمنطقها، هي لغة تتكئ على فهم المخاطب وتلتئم بمعقوله وتثق في ذكائه. يقول الجاحظ: «للعرب إقدام على الكلام، ثقة بفهم المخاطب من أصحابهم عنهم.»
كم ذا أضر باللغة وآذاها هواة قل ولا تقل، وها هو حصاد زرعهم: ناس طيبون أصابهم القنوط، فانفضوا عن العربية (وفي القلب ثأر كظيم)، ولم يعودوا يقدرون على صواب ولا على خطأ.
يقول د. محمد كامل حسين «إن اللغويين يخطئون حين يظنون أن الإضافة إلى اللغة إضعاف لها، وأن المحافظة عليها بتقييدها، والمحافظة على لغة ما لا تكون إلا بجعلها مطابقة لتفكير أهلها، وترك الحرية لكتابها أن يزيدوا ما دلهم عليه الذوق والحاجة، وخطئ اللغويون في إسرافهم في تخطئة الناس، وجدلهم حول ما هو خطأ، والجدل حول صحة كلمة «افتكر» و«احتار» و«اعتاد» لا داعي له، فكلها صحيحة، والكاتب المتأنق يختار «تفكر» و«حار» و«تعود» حين يقتضي مستوى أسلوبه أن يختار أرشق الألفاظ وأفصحها، ويجب أن نقدر أن عهد تحكم الأجرومية في اللغة العربية قد انقضى أو كاد، وأن علينا أن نسارع إلى تنظيم يوائم عصرنا، والتفكير اللغوي الحديث قوامه الوضوح والدقة، فإن لم نفعل فسيقوم عهد اللغة الجديد على الفوضى والاضطراب وتحكم من لا ذوق لهم ومن لا علم لهم بأصول اللغات والأساليب.»
124
ورحم الله شيخنا أمين الخولي، القائل في خاتمة بحثه «لسان العرب اليوم» أمام المجمع: «وقد بدا من واقع التاريخ أن تتبع الصواب وإعلانه أجدى من تتبع الخطأ وإعلانه، وإلى هذا التصويب صار الأمر أخيرا، كما رأينا فهو سبيل التقريب أو التوحيد، ورحم الله أبا حنيفة، في قياسه مع حجامه، حين قال له الحجام: إن تتبع الأبيض من الشعر يكثره، فقال أبو حنيفة: تتبع مواضع السواد لعله يكثر، وقد تتبعوا مواضع الغلط فاستفحل الأمر فيه، فهلا نتتبع مواضع الصواب فيشيع ويغلب، وذلك ما تشهد به تجارب المصلحين والمربين ... تلك مواقف عملية، إن وافقتم عليها فبها، وإلا فواقع الحياة أغلب.»