69
ومن هذا الباب كلمة «تريض» بمعنى «خرج للتنزه»، فقد رفضها من رفض لأن الكلمة واوية، غير أن معجم «الأساسي» ذكرها بمعنى خرج للمشي على سبيل الرياضة، وقد تبين لنا الآن أنها صحيحة بالاشتقاق المباشر من كلمة «الرياضة»، مثلما أن «التقييم» صحيحة بالاشتقاق من كلمة «القيمة».
نفس، وعين
يقولون: لا تقل «جاء نفس الرجل»، والصواب «جاء الرجل نفسه»؛ لأن كلمتي «نفس، وعين» إذا كانتا للتوكيد وجب أن يسبقهما المؤكد، وأن تكونا مثله في الضبط الإعرابي، وأن تضاف كل واحدة منهما إلى ضمير مذكور حتما، يطابق هذا المؤكد في التذكير والتأنيث والإفراد والتثنية والجمع.
ونقول: نعم، لنلتزم بذلك وسعنا فهو أقوم وأسعد، ولكن أسبقية التوكيد تكون أوضح وأسمح في سياقات معينة، فلم التضييق ومجال القول ذو سعة؟ ولماذا لا نطاوع ضغط اللغة المحكية والأجنبية وكلتاهما تقدم التوكيد على المؤكد؟ العقل نفسه، والخاطر والشعور، كثيرا ما يقدم التوكيد على المؤكد! وفي سياقات معينة توقعنا القاعدة القديمة في اللبس والاضطراب، وبخاصة حين يكون المؤكد مضافا، يعرف ذلك كل من له باع في الترجمة: هبني أريد أن أؤكد: بنود الوصية، أو درجات الطالبة ... إلخ، هل أقول «في بنود الوصية نفسها»، و«على درجات الطالبة نفسها»، أرأيت إلى الالتباس؟ تراني أؤكد هنا البنود أو الوصية؟ الدرجات أم الطالبة؟ ويزداد الأمر اضطرابا إذا تعقد السياق: «بنود وصية السيدة نفسها»، «درجات طالبة الدفعة نفسها»، هذه عقدة جوردية، حلها بسيط جدا: أن نقطع القاعدة بحد السيف، ونقول: يجوز تقديم التوكيد على المؤكد إذا حكم التعبير واقتضى الحال وساغ النغم.
جاء في «معجم الصواب اللغوي»: «جاء في نفس الوقت» فصيحة: تستعمل كلمة «نفس» للتوكيد المعنوي، وحينئذ لا بد أن يسبقها المؤكد وأن تضاف إلى ضميره، ويكون استعمال النفس في غير التوكيد بمعنى الذات فصيحا، كما يكون أيضا استعمالها للتوكيد دون أن تدخل في نطاق التوكيد الاصطلاحي «النحوي» فصيحا، وقد أجاز مجمع اللغة المصري هذا الاستعمال مستشهدا بما حكاه سيبويه عن العرب: «نزلت بنفس الجبل»، ويقول الجاحظ: «لا بد للترجمان أن يكون بيانه في نفس الترجمة في وزن علمه في نفس المعرفة.»
70
وجاء في «موسوعة اللحن في اللغة»: «جئت في نفس الوقت (تقديم النفس - من ألفاظ التوكيد - على المؤكد): ورد في كلام من يعتد بهم من العلماء، كابن جني في قوله في الخصائص (1 / 295) «هي متعلقة بنفس تبا» يريد: بتبا نفسها، وجاء في اللسان (نفس): ونفس الشيء: ذاته، ومنه ما حكاه سيبويه من قولهم: نزلت بنفس الجبل، ونفس الجبل مقابلي.»
71
وقد صادفت «نفس » المقدمة على المؤكد في كتابات أئمة ثقات من القديم والحديث: منهم:
ابن جني في الخصائص: «إنما هو منصوب بنفس عليك ...» (ج1، ص284)، «لا لشيء رجع إلى نفس، أو» (ج1، ص349)، «وهذا نفس الحق» (ج3، ص26).
د. طه حسين: «وإخضاعي إياه لنفس المثلة» (في ترجمة كتاب ثيسيوس وأوديب لأندريه جيد، ص148).
د. شوقي ضيف: «يتخذون نفس لغات العلوم ...» (توحيد المصطلح العلمي في النقل والتعريب، مجلة مجمع اللغة العربية ج45، 1980).
د. أحمد درويش: «هي نفس الفصحى ...» (لإنقاذ الفصحى من أيدي النحاة، قضايا فكرية، العدد 17-18، 1997، ص83).
هام/مهم
في كتابه «قل ولا تقل» يسهب الدكتور مصطفى جواد في تبيان الخطأ في استعمال «هام» بمعنى «مهم»، ويتكلف في ذلك عنتا كبيرا، ويحس القارئ وهو يتابع حججه وشواهده أنه عاقد العزم على صرف الناس عن العربية وتيئيسهم منها، بل إنه لينقض ما جاء في «لسان العرب» ويخطئه؛ تفضيلا للمنع على الإباحة، وانتصارا للعسر على اليسر: «وجاء في لسان العرب ما يلبس المعنى على القارئ غير الفطن، قال: «الهم: الحزن وجمعه هموم، وهمه الأمر هما ومهمة وأهمه فاهتم واهتم به»، أراد بقوله: همه الأمر: أحزنه؛ لأنه بدأ المادة بتفسير الهم، مع أن قولنا: أهمني الأمر يهمني يعني جعلني أهم به، بدلالة ما نقل صاحب اللسان بعد ذلك قال: وفي حديث سطيح «شمر فإنك ماضي الهم شمير» أي إذا عزمت على شيء أمضيته، والهم ما هم الإنسان في نفسه تقول: أهمني هذا الأمر. هذا ولو صحت دعوى أن «همه الأمر» بمعنى أهمه الأمر الذي اشتق منه المهم وجمعه المهام والمهمات لسمت العرب «المهم» باسم «الهام» ولجمعته على «هوام وهامات»، ولكن هذا لم يكن ولم يصر إليه قط، فالهام لم يرد في لغة العرب بمعنى المهم ... نضيف إلى ذلك أن «هم» لو صح بمعنى «أهم» في المعناة المشار إليها، لفضله الفصحاء على الرباعي؛ لأن قاعدة الفصاحة العامة في ذلك تفضيل الثلاثي على الرباعي إذا كانا بمعنى واحد إلا إذا نبه على العكس بالنص والتصريح، ف: نعشه أفصح من أنعشه، ورجعه أفصح من أرجعه، ووقفه أفصح من أوقفه ، ونقصه أفصح من أنقصه، وعاقه أفصح من أعاقه، ونتجه أفصح من أنتجه، وغاض الماء يغيضه أفصح من أغاض الماء ...»