21
وقد وجد أن موقع الصوت في الكلمة يعرضه لصنوف من التطور والانحراف: فوقوع أصوات اللين في آخر الكلمة يجعلها في الغالب عرضة للسقوط، ويؤدي أحيانا إلى تحولها إلى أصوات أخرى، من ذلك ما لحق بالحركات (الفتحة والكسرة والضمة) في أواخر الكلمات، وهي أصوات لين قصيرة، فقد سقطت في جميع اللهجات العامية، وبذلك سقطت أيضا وظيفتها في الجملة وانقلب النظام اللغوي من نظام المرونة الإعرابية إلى نظام الترتيب المقيد، كما أشرنا إلى ذلك في موضعه، كذلك تضاءلت أصوات اللين الطويلة الواقعة في آخر الكلمات (فتحولت «رمى» مثلا إلى «رم»، و«ضربوا» إلى «ضرب»، و«مصطفى» إلى «مصطف» ... إلخ)، كذلك فإن معظم أصوات اللين المتطرفة في اللاتينية قد انقرضت في اللغات المنشعبة عنها. ووقوع الصوت الساكن في آخر الكلمة يجعله كذلك عرضة للتحول أو السقوط، من ذلك ما حدث في العربية بصدد التنوين ونون الأفعال الخمسة والهمزة والهاء المتطرفتين (محمد ولد مطيع، الأولاد يعلبون، الهواء شديد، انتظرته ساعة كاملة - تحولت إلى: محمد ولد مطيع، الأولاد بيلعب، الهو شديد، انتظرت ساع كمل)،
22
وفي اللاتينية انقرضت معظم الأصوات الساكنة من أواخر الكلمات في اللغات الرومانية المنبثقة عنها. والحق أن سقوط الأصوات اللينة والساكنة من أواخر الكلمات في جميع الألسنة قد أحدث انقلابا كبيرا في عالم اللغات: فقد كان من آثاره انقراض «طريقة الإعراب» في كثير من اللغات التي كانت تسير عليها كالعربية واللاتينية وما إليهما،
23
ويرفض جاسبرين اعتبار سقوط الإعراب في اللغات المتفرعة عن اللاتينية كمظهر انحطاط لغوي، ويرى في هذه الظاهرة تطورا باتجاه التبسيط بصورة عامة، وباتجاه ملاءمة اللغة لظروف التعبير.
24
ووقوع الصوت في وسط الكلمة يعرضه كذلك لصنوف من التغير والانحراف. فمن ذلك ما حدث بصدد الهمزة الساكنة الواقعة وسط الثلاثي، فقد تحولت إلى ألف لينة في العامية (فيقال: فاس، راس، فال ... بدلا من فأس، رأس، فأل ... إلخ)، كذلك الياء والواو الساكنتان في وسط الكلمة تحولتا إلى صوتي لين (عين تحولت إلى عين، يوم إلى يوم ... وهكذا).
25
ووقوع الصوت في أول الكلمة يجعله كذلك عرضة للانحراف، فمن ذلك ما حدث في بعض المفردات العربية المفتتحة بالهمزة، إذ تحولت همزتها في بعض اللهجات العامة إلى فاء أو واو («أذن» تحولت في العامة إلى «ودن»، و «أين» إلى «فين» ...)، وقد تتبادل الأصوات مواقعها في الكلمة ويحل بعضها محل بعض (النقل المكاني)، مثلما تتحول «أرانب» في العامية المصرية إلى «أنارب» وتتحول «مسرح» إلى «مرسح» ... إلخ، وقد تتناوب أصوات اللين (القصيرة كما تتمثل في تناوب الحركات وانحراف أوزان الكلمات في العامية فتتحول «يعوم» إلى «يعوم» و«يضرب» إلى «يضرب» و«محمد» إلى «محمد» ... إلخ، والطويلة كما تتمثل في الإمالة في بعض اللهجات ... إلخ)، كما تتناسخ الأصوات الساكنة فتتحول الصاد إلى سين («مصير» إلى «مسير»، و«يصدق» إلى «يسدق» ... إلخ) واللام إلى ميم («البارحة» إلى «إمبارح») والميم إلى نون («فاطمة» إلى «فاطنة»، وهلم جرا).
26
ضروب التغير الدلالي
من الأمثلة النموذجية على التطور الدلالي ما حدث لكلمة «السيد»: فقد كانت هذه اللفظة في البداية هي متضايف
Correlative
كلمة «عبد»: فالسيد هو من له عبد، أو هو مقابل العبد، ثم تطور استعمال كلمة «السيد» لتدل على صاحب النفوذ والسلطان، ثم استخدمت في الغزل: على سبيل المثال يقول البحتري:
سيدي أنت ما تعرضت ظلما
لأجازى به ولا خنت عهدا
ثم أصبحت كلمة «سيد» تعني «الهاشمي»، وهي عند الإخوة الشيعة لقب للمرجع الشيعي العلمي، وفي العصر الحديث، وبعد تقليص الفوارق بين الطبقات وإلغاء الألقاب أصبح الناس جميعا يلقبون ب «السيد»، وصارت الكلمة لقبا يسبق الأسماء جميعا على سبيل الاحترام والتأدب، وقد استجدت في الفترة الأخيرة كراهة معينة لاستعمال هذه الكلمة في بعض الأوساط العربية المتحفظة. (أ) توسيع المعنى (التعميم)