17 (1-5) تأثير الكتاب والمترجمين والمجامع العلمية
للكتاب والأدباء والمترجمين أثر كبير في نهضة اللغة وتهذيبها واتساع نطاقها وزيادة ثروتها. والأمثلة على ذلك كثيرة في تاريخ الأمم، فأكبر الفضل في نهضة العربية في العصر العباسي يعود إلى العلماء والأدباء والمترجمين عن اليونانية والفارسية؛ لقد اقتبسوا مفردات أجنبية وطوعوها لمقتضيات العربية؛ فاتسع متن اللغة وازدادت مرونة وقدرة على التعبير عن العلوم والآداب، كذلك الأمر في عصر النهضة الحديثة في مصر والشام؛ إذ أفاد الكتاب والأدباء والعلماء من أساليب اللغات الأوروبية وتأثروا بها، وترجموا وعربوا الكثير من مصطلحات الأدب والعلم، ونقلوا الكثير من مذاهب الفن والأدب والفكر، وكان للأدباء والشعراء والعلماء فضل كبير في إحياء الكثير من المفردات القديمة والمهجورة، فكثيرا ما يلجأ المبدعون إلى بعث الألفاظ المنسية للتعبير عن معان لا يجدون لها مفردات راهنة تعبر عنها تعبيرا دقيقا، أو يلجئون لذلك ترفعا عن المفردات المبتذلة التي لاكتها الألسنة. وبكثرة الاستعمال تبعث هذه المفردات خلقا جديدا ويزول ما فيها من غرابة وتندمج في المتداول المألوف. من ذلك أن البارودي وشوقي بعثا مئات الألفاظ من مرقدها فصارت مألوفة واتسع بها متن اللغة وزادت قدرتها على التعبير، وكذلك فعل غيرهما من الشعراء والناثرين فردوا إلى العربية شطرا كبيرا من ثروتها المفقودة، وكشفوا عن عدة نواح من كنوزها المدفونة في أجداث المعجمات.
18
إن حاجة المبدع، كاتبا أو شاعرا، إلى توضيح الدلالة أو تقوية أثرها في الذهن تحمله على ابتكار تعبيرات جديدة سرعان ما تجد طريقها إلى متن اللغة، كذلك تقوم المجامع اللغوية والهيئات العلمية بالابتداع اللغوي حين تحتاج إلى استخدام لفظ ما للتعبير عن فكرة أو مفهوم معين، وبهذا تعطي الكلمة معنى جديدا يبدأ أول الأمر اصطلاحيا ، ثم قد يخرج إلى دائرة المجتمع فيغزو اللغة المشتركة كذلك، ومثال ذلك كلمة
Root (جذر) التي يختلف معناها بحسب مهنة المتكلم أهو مزارع أم عالم رياضيات أم لغوي.
19 (1-6) عوامل داخلية في ذات اللغة
إن بنية اللغة ذاتها، متنها وأصواتها وعناصر كلماتها ودلالاتها وقواعدها، تنطوي على خصائص تعمل هي نفسها في صورة آلية على التطور اللغوي وعلى توجيهه وجهة خاصة، إنه الطابع «الكموني» أو «المحايث»
Immanent
لل «بنية»
Structure
الذي ألح عليه البنيويون واضطلع جيل دولوز بتبيانه: إن كل ما يطرأ على «البنية» من أحداث أو عوارض لا يقع لها «من الخارج»، وإنما ينبع مما تنطوي عليه البنية ذاتها من ميول كامنة واتجاهات باطنة تكون هي المسئولة عن كل ما يعرض لها من تغيرات.
20
من عوامل تطور أصوات اللغة تفاعل أصوات الكلمة بعضها مع بعض، وموقع الصوت من الكلمة، وتناوب الأصوات وحلول بعضها محل بعض، فالأصوات الساكنة تتفاعل فيما بينها، فيتجاذب المختلف ويتنافر الشبيه (مثلما تسلك الشحنات الكهربية!) فإذا تجاور في الكلمة صوتان مختلفان أو تقاربا في المكان فقد يتحول أحدهما إلى صوت الثاني، مثل كلمة «شمس» التي تحولت في بعض اللهجات العامية إلى «سمس» (بل تحولت في بعض لهجات الصعيد إلى «شمش»)، وفقا لقانون «المماثلة» أو «التشاكل»
Assimilation . وإذا تجاور صوتان متماثلان أو تقاربا في المكان فقد يميل اللسان إلى ضروب من التغيير الذي يرمي إلى الفرار من الثقل، ذلك أن اللسان يتعثر إذا اضطر إلى نطق حروف متشابهة تتكرر وتتتابع، فالصوتان المتماثلان يحتاجان إلى جهد عضلي في النطق بهما في كلمة واحدة، ولتيسير هذا المجهود العضلي يقلب أحد الصوتين صوتا آخر أو يحذفه، وفقا لقانون «المخالفة»
Dissimilation ، وقد فطن قدماء اللغويين لهذه الظاهرة وكانوا يعبرون عنها أحيانا ب «كراهية التضعيف»، أو «كراهية اجتماع حرفين من جنس واحد» أو «استثقلوا اجتماع المثلين» ... إلخ.