إن حياة الانتساب هذه تضحية بالحياة وتنازل عن الإرث ونفي للذات، ووقر وفقر وخزي، لقد باع أصحابنا أنفسهم مجانا وصاروا مسوخا لا تروق أعين الشرق أو الغرب، واختاروا أن يكونوا أذيالا لا عمل لها إلا التبعية، ولا مكان إلا المؤخرة. (4) في ظل الفصحى
اللغة «جين» آخر.
فكما أن الجينات شفرات أو مخططات يسير وفقا لها الكيان البشري جسميا ونفسيا، فإن اللغة شفرة ومنظور ونماذج رؤية تشكل وعينا وإدراكنا الخاص للوجود، وتحكم وجهتنا في الفكر والفعل، وطريقتنا في تصور ما هو كائن وما ينبغي أن يكون.
بهذا المعنى تكون العروبة قرابة رؤية بقدر ما هي قرابة دم، وتكون الدعوة إلى الفصحى دعوة إلى الوحدة، وإلى لم الشمل، وإلى اجتماع الإخوة بعد افتراق وشتات وغربة.
عادل مصطفى
25 / 2 / 2010
الفصل الأول
| جمع المادة اللغوية
من يتأمل علوم العربية، من نحو وصرف وأصوات ومعاجم وعروض ... لا يسعه إلا الإجلال لمن ابتكروا هذه العلوم من العدم، وشيدوا هذه الصروح من الصفر، بعزم صادق وإخلاص نادر، وحذق منقطع النظير.
1
على أن غاية الإجلال لهذا السلف العظيم أن نقتدي به في الخصلة التي جعلت منه سلفا عظيما؛ في اجتهاده وابتكاره؛ فنجتهد نحن أيضا ونبتكر، وننخل ونغربل، ونراجع ونصوب. (1) الفصحى (المشتركة) واللهجات
يبدأ المشهد اللغوي بجزيرة العرب، نجد والحجاز ومنطقة الفرات، في القرن الخامس والسادس الميلاديين، وقد انتظمتها لهجات محلية متعددة، تتحدث بها قبائل متفرقة أدى بها اتساع الصحراء إلى عزلة نسبية، ولما كانت تلك القبائل على عزلتها تتبادل التجارة وتتلاقى في الحج والأسواق والندوات، كان لا بد من وجود لغة «مشتركة» يتفاهم بها الناس جميعا على اختلاف قبائلهم، كانت مكة، أم القرى، هي مهوى الأفئدة وملتقى الحج والتجارة وأسواق الخطابة والشعر، وقد كفل لها نشاطها التجاري وثراؤها الاقتصادي ارتقاء حضاريا وسلطانا سياسيا؛ الأمر الذي جعل اللهجة القرشية هي اللهجة الغالبة في تكوين اللغة المشتركة، وإن لم تتطابق معها تمام التطابق، هذه الفصحى المشتركة هي التي يتخذها الخطباء والشعراء، وهي التي تكتب بها المعاهدات وتتخذ في مواقف الوفادة والتشاور والحروب والعبادة، وقد نزل بها القرآن الكريم ليفهمه العرب جميعا على اختلاف لهجاتهم المحلية، وبذلك سادت المشتركة واستتبت وازدهرت وارتقت ارتقاء عظيما.
نحن إذن بإزاء مستويين لغويين متباينين: المستوى اللهجي من جهة، ومستوى الفصحى أو المشتركة من جهة أخرى، ومن العبث وإهدار الطاقة أن نسأل الآن أيهما السابق على الآخر: أهي لهجات تبلورت منها المشتركة (مرتكزة كثيرا على لهجة قريش)؟ أم هي المشتركة تفرعت عنها اللهجات شأنها شأن غيرها من اللغات الكبرى كاللاتينية والجرمانية؟ ذلك أمر مختلط ملتبس غامض يثير فيضا من الحدوس والتخمينات والفروض، ولا يؤدي إلى نتائج حاسمة صلبة.
ثمة موقفان متمايزان أمام الباحث في أمر العلاقة بين المشتركة واللهجات:
الموقف الأول:
أن يعتبر كلا منهما مستوى خاصا ولا يخلط بينهما بالرغم من إدراكه للتأثير المتبادل بينهما؛ فكل لهجة مستوى خاص ينبغي ألا يختلط بغيره من اللهجات ولا بالمشتركة، كل لهجة مستوى متفرد في دلالة الألفاظ وفي الأصوات والصيغ والتراكيب.
والموقف الثاني:
أن يعتبر المشتركة هي اللهجات نفسها، فتكون المشتركة (الفصحى) هي المجموع الجبري ل «لغة قيس وتميم وأسد وهذيل وبعض كنانة وبعض الطائيين.»
الموقف الأول هو الموقف العلمي الصحيح (ما ينبغي أن يكون)، ولقد راود بعض النحاة على نحو عارض لا يشكل اتجاها أو منهجا، والموقف الثاني هو الموقف الخاطئ من الجهة العلمية، وهو الموقف الذي اتخذه النحاة مع الأسف (ما هو كائن)، فأدى إلى اضطراب الدراسة وتعقد النحو، فتجد في المسألة الواحدة وجوها، وتجد لكل وجه توجيها، وتجد لهذه الوجوه والتوجيهات سندها في اللغات واللهجات.