تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ليس ثمة تناقض بين تجديد اللغة وإحياء التراث كما قد يبدو للنظرة السطحية العجلى، فالحق أن العربية لغة معمرة، تنمو من داخلها بالاشتقاق والتعريب، ويظل جذرها الثلاثي حاضرا عتيدا، ويظل ماضيها موصولا بحاضرها يغذوه ويمسكه ويمده بأسباب النماء.

بإهاب كل مجدد كبير كلاسيكي كبير، وفي طي كل تجديد شيء من الإحياء! وإن جيلا نسي ماضيه لهو جيل شائخ لا مستقبل له. ليس إحياء التراث غيابا في الماضي أو اغترابا عن الحاضر وغفلة عن الآتي؛ فلا بناء بغير دعائم، ولا سموق بغير جذور، ليس إحياء التراث ترفا بل ضرورة، ولا سباتا بل هو الصحو واليقظة والإفاقة، إنه ضرورة لكل أمة تريد أن تسترد وعيها وتستعيد توجهها وتتعرف خط سيرها. إن حاضرا بلا ماض هو ذهول وشرود وفقدان ذاكرة، وضرب في التيه بعد ضياع الخرائط واشتباه الطرق والتباس الأمام والوراء.

ألفاظ مهجورة: من التجديد أن نبعث بعض الألفاظ المهجورة التي هي أكثر إسعافا لنا من المشهور وأكثر حداثة من الحديث! ألست ترى أن نصف ألفاظ العلم هي جذور وضمائم لاتينية ويونانية كانت ميتة فأحيتنا؟! كذلك الأمر في العربية:

هناك ألفاظ نهجرها لأننا لم نجدها ذات نفع لنا أو غناء في حياتنا الجديدة.

وهناك ألفاظ تهجرنا لأنها لم تجدنا أكفاء لها، ولما كانت تذخره لنا من ذهب المعنى.

هناك ألفاظ تموت عنا.

وهناك ألفاظ نموت عنها. (3) خطورة القضية اللغوية

تولد كل الأجنة عارية إلا جنين الفكر فيولد متلبسا باللغة.

تعست فكرة رانت على البشر دهورا تقول إن اللغة مجرد وسيلة للتعبير عن الفكر ونقله إلى الآخرين، تعرض له من خارج وهو تام مكتمل كأنها غلاف الهدية أو كساء البدن أو وعاء السائل.

إنما شأن اللغة أبلغ من ذلك خطرا وأبعد نفوذا وأشد هولا.

اللغة هي ذخائر المقولات وخزائن المفاهيم، بحيث يستحيل عليك أن تفكر تفكيرا مركبا ثريا بلغة ساذجة فقيرة.

اللغة هي «دالة الفكر» ونماذج الرؤية، بحيث لا تملك أن ترى من العالم إلا بقدر ما تسمح لك لغتك أن ترى.

اللغة هي حاملة العالم، وأطلس الوجود، بحيث لا بجانبك الصواب إذا قلت إن حجم وجودك هو حجم لغتك.

هكذا يتبين لنا مبلغ السفه الذي نأتيه إذا نحن تخلينا عن هذه اللغة الجميلة الجليلة بعد كل الذي بلغته من الثراء والارتقاء.

التعريب شرط الحداثة والتغريب حياة بالانتساب.

من الحذق حين نثاقف العالم الغربي المتحضر أن نأخذ عنهم، ونهضم زادهم، ونتمثله تماما، ونحيله، بحكم التمثل ذاته، إلى كياننا وبنيتنا، لا أن نمنحهم أنفسنا ونتقمصهم تقمصا رخيصا، ونضحي بحقيقتنا دون مقابل.

آية الهضم التام أن يتحول المهضوم إلى الهاضم، فأنت، كما يقول بياجيه، حين تهضم الملفوف وتتمثله تحوله إلى أنسجتك وبنائك العضوي ولا تتحول أنت إلى ملفوف! كذلك الحال في هضم الفكر الغربي وتمثله، فمن شأن الفكر الذي تستوعبه بالفعل أن يتعضى فيك ويذوب في كيانك ويصطبغ بصبغتك؛ فلا نكاد نتبين من ملامحه الأولى شيئا إلا من طريق الظن والاستنباط، فهو يغيرك ويطورك فيما يتشتت داخلك ويتبدد فيك.

ذلك هو الفهم الحق والتمثل الأصيل.

وحالما تبينا في خطابك فكر غيرك كما هو، وتجلت لنا ملامحه بتمامها، فهو الدليل على أنك لم تقدر على هذا الفكر ولم تفهمه، وإن كنت تستظهره وتردده، إنه الفكر الذي لم تستوعبه بل استوعبك، ولم تهضمه بل هضمك.

ذلك هو التقليد السطحي والتقمص الرخيص.

لكي نقول: إننا استوعبنا الحداثة حقا يتعين أن نرى الحداثة استعربت وتحدثت العربية، ولكي نقول: إننا فهمنا العلم حقا؛ ينبغي أن يكون لدينا ما يثبت أن العلم نفسه فهم العربية، أي تعرب وتوطن في معجمنا وطاب له المقام! وما دون ذلك هو استعمال من الظاهر، هو تمسح وتقول وتخلف مقلوب.

إن لدينا منتسبين كبارا يعيشون بيننا في الشرق كمواطنين بالانتساب في العالم الغربي، يتلبسون بالنموذج الأوروبي الأمريكي، ويتشدقون في مجالسهم بالإنجليزية، ويوقعون بها أعمالهم ورسائلهم، إن أسلوبهم يثير الشفقة، وإنجليزيتهم، بحكم الانتساب ذاته، ركيكة عجماء، يظن هؤلاء أنهم متحضرون مجددون، وهم غارقون إلى الأذقان في تقليد آخر، لقد نسوا لغتهم التي لن يبدعوا إلا بها، واستعاروا لغة غيرهم التي لن يعرفوها إلا بالنقل والوساطة، ولو عرفوا من اللفظ معناه المباشر فإنهم في عمه عن شحناته وظلاله، وإيحاءاته وتداعياته، وتجلياته الثانية وأقانيمه الأخرى، ومنشئه في التاريخ ومسيره في الزمن، وهم بذلك يخسرون البعد الثالث للغة، ويتبنون لغة مسطحة مصمتة لن يفكروا بها إلا تفكيرا مسطحا مصمتا.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٣