تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

Anomalist ... على أنه من المؤكد أن اللغويين العرب قد طوروا وجهات نظر خاصة بهم في دراستهم النظامية للغتهم، ولم يفرضوا عليها بأي حال النماذج اليونانية مثلما فعل النحاة اللاتين.»

11

ومن الحق أن «مذهب» المرء في منشأ اللغة يملي عليه «منهجه» في دراستها: فأنت إذا قنعت بأن اللغة عرف اجتماعي اتفاقي فسوف تقنع في دراستها بالوصف المحايد والاستقراء السمح، أما إذا امتلأت بأنها «توقيف» إلهي

12

أو اصطلاح حكماء أو سليقة عربية سحرية فسوف يتملكك وسواس البحث عن الحكمة أو «العلة»، وسوف تصطنع في دراستها القياس والتعليل والتأويل.

ليست العربية توقيفا إلهيا، لقد اخترعت اللغة كما يقول هيردر «بوسائل الإنسان الخاصة، ولم تبتكر بصورة آلية بطريق التعليمات الإلهية، لم يكن الله هو الذي اخترع اللغة للإنسان، ولكن الإنسان نفسه هو الذي اضطر إلى اختراعها بطريق ممارسته قدراته الخاصة.» وليست اللغة اصطلاحا بين حكماء، من البشر أو غير البشر، كما بينا ذلك في موضعه، وليست اللغة سليقة عربية سحرية تتلبس بالأعراب وتسري منهم مسرى الدم وتجعلهم المفوضين في اللغة وتكسبهم معرفة بمواقع الكلام وعللا تقوم في العقول، وإنما اللغة اكتساب وتعلم اجتماعي بالممارسة والاعتياد.

فإذا ما تخلى الباحث عن المنهج الوصفي الاستقرائي ولجأ إلى التفكير القياسي المعياري يكون قد نأى بنفس القدر عن مجال عمله وجعل دراسته مؤسسة على المنطق. وفي مستهل كتابه «علم اللغة العام» يقول دي سوسير: «لقد اهتم الدارسون في بادئ الأمر بفرع من فروع المعرفة سمي بالنحو. إن هذه الدراسة التي بدأها الإغريق وأخذها عنهم الفرنسيون اعتمدت على علم المنطق، وهي تفتقر إلى النظرة العلمية ولا ترتبط باللغة نفسها، وليس لها من هدف سوى وضع القواعد التي تميز الصيغ الصحيحة وغير الصحيحة، فهي دراسة معيارية تبتعد كثيرا عن الملاحظة الخالصة للوقائع، ومجالها محدود ضيق.»

13

لقد كانت دراسة اللغة تدور في مبدأ الأمر على تلقي النصوص من أفواه الرواة، ومشافهة الأعراب وفصحاء الحاضرة، فكان ثمة مجال للاستقراء واستخلاص القاعدة من تقصي سلوك المفردات والأمثلة، ومن ثم رأينا الدراسات العربية الأولى تتسم بالوصف، وتنأى إلى حد كبير عن المعيار، ثم وضع حد فاصل انتهى عنده عصر الاحتجاج، وجاء وقت كان الرواة عنده قد أفرغوا ما في جعبتهم، وبذا جفت روافد الرواية، وانحسر المد الذي كان يفيض على الحواضر، فوجد النحاة أنفسهم وجها لوجه مع تجربة جديدة، هي أن يتكلموا في النحو دون اعتماد على روايات جديدة، وبذا أصبحت الروايات القديمة مقاييس متحجرة كان من الواجب في رأي النحاة على طلاب الفصاحة أن يحتذوها، وبدأ الكلام عند هذا الحد فيما يجوز وفيما لا يجوز من التراكيب، بل بدأ الكلام فيما يجب منها أيضا.

14

وثمة ما يشير من الوجهة التاريخية إلى أن المنطق الأرسطي نشأ متأثرا بالنحو الإغريقي، وأن النحو العربي نشأ متأثرا بالفكر الأرسطي، فقد استعان أرسطو في وضعه للوحة «المقولات»

Categories

بالتقسيمات اللغوية، ثم جاء النحو العربي فورث عن أرسطو خلطه بين النحو والمنطق، وعمل على تطبيق المقولات الأرسطية العشر على اللغة، كما أخذ عن أرسطو أقيسته المنطقية وعلله الأربع، وسعى إلى تطبيقها في المسائل النحوية، وكانت النتيجة كارثية كشأن أي محاولة لفرض قوالب شيء على شيء آخر من غير جنسه. (3) المقولات الأرسطية

كلمة «قاطيغورياس» عند أرسطو تعني الإضافة أو الإسناد، ومن ثم فالمقولات

Categories

هي أمور مضافة أو مسندة أو «مقولة»، أي «محمولات»

Predicates ، أو بتعريف أدق: المقولة معنى كلي يمكن أن يدخل محمولا في قضية. والمقولات الأرسطية العشر تقابل جميع الأجوبة التي تقال عن جملة الأسئلة التي يمكن أن تثار بصدد شيء ما. وهذه الأسئلة عشرة يجاب عنها بعشرة محمولات، فإذا اتخذنا من الإنسان مثلا كانت الأسئلة والأجوبة كما يأتي:

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدة · الصفحة ٣٨

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مغالطات لغوية: الطريق الثالث إلى فصحى جديدةص ٣٨