Bow-wow
بمعنى نباح).
17
غير أن دي سوسير سرعان ما يهون من شأن الأونوماتوبيا ويضعها في حجمها: «قد تتخذ الكلمات الأونوماتوبية كدليل على أن اختيار الدال ليس اعتباطيا دائما، غير أن الكلمات الأونوماتوبية ليست عناصر حيوية (عضوية) في بناء النظام اللغوي، ثم إن عددها أقل بكثير مما يعتقد ... كما أن أونوماتوبيتها إنما جاءت نتيجة تصادفية للتطور الصوتي فيها.
أما الكلمات التي هي أمثلة حقيقية للعلاقة بين الصوت والمعنى، مثل
Tuik-Tick ،
Glug-Glug ، فهي قليلة العدد، فضلا عن أن اختيارها يكون عادة بصورة اعتباطية؛ لأنها محاولات تقريبية تعتمد أيضا على العرف، في محاكاة بعض الأصوات (مثال ذلك
Bow-Wow
في الإنجليزية يقابله
Ouaoua
في الفرنسية (نباح الكلب))، ثم إن هذه الكلمات ما إن تدخل اللغة حتى تصبح إلى حد ما خاضعة للتطور اللغوي - الصوتي والصرفي إلخ - الذي تخضع له الكلمات الأخرى (مثال ذلك كلمة
Pigeon (حمام) مشتقة من اللاتينية العامية
Pipio
وهذه الكلمة بدورها مشتقة من الصوت الذي يوحي به صوت الطائر)، وهذا دليل واضح على أن هذه الكلمات تفقد شيئا من صفتها الأولى لكي تكسب الصفة العامة للعلامة اللغوية وهي صفة الاعتباطية (انعدام الصلة الطبيعية).
وأما ألفاظ التعجب، وهي ترتبط ارتباطا وثيقا بالكلمات الأونوماتوبية (التي توحي أصواتها بمعانيها)، ويصح عليها أيضا النقد السابق، فهي ليست دليلا على بطلان حجة الاعتباطية في العلامة اللغوية. وقد ينظر المرء إلى ألفاظ التعجب على أنها تعابير تلقائية للحقيقة تمليها على المتكلم القوى اللغوية الطبيعية، ولكننا نستطيع أن نبين عدم وجود علاقة ثابتة بين المدلول والدال في معظم ألفاظ التعجب، فما علينا إلا أن نقارن بين هذه الألفاظ في لغتين حتى نرى اختلافها من لغة إلى أخرى (فلفظة
Aie ! الفرنسية يقابلها
Ouch ! في الإنجليزية)،
18
ثم إننا نعلم أن كثيرا من ألفاظ التعجب كانت في وقت ما كلمات لها معان محددة ، لاحظ: الكلمة الفرنسية
Diable (اللعنة)،
Mordieu (الله) من
Mort Dicu (في الإنجليزية
Zounds Goodness )، إذن فالألفاظ التي توحي بمعناها وألفاظ التعجب ذات أهمية ثانوية، وأصلها الرمزي موضع خلاف.»
19
وقع كثير من النحاة العرب في الغلو في خصائص اللغة، وذهب بهم إعجابهم باللغة العربية بعيدا بحيث تصوروا فيها ما لا وجود له إلا في خيالهم، وأضفوا عليها من مظاهر السحر ما لا يصح في الأذهان ولا تتصف به لغة من لغات البشر،
20
من ذلك أنهم كانوا يؤمنون إيمانا قويا بوجود «مناسبة» بين اللفظ والمعنى، أو رابطة عقلية منطقية بين الأصوات ومدلولاتها، ولا يتصورون أن الأمر يمكن أن يكون اعتباطيا مرده إلى التكرار والعادة، وأن يكون وهما ناتجا عن التداعي وميل العقل إلى الربط والتعميم. يقول ابن جني في كتابه «التمام في تفسير أشعار هذيل مما أغفله أبو سعيد السكري»: «وقد ذهب بعضهم إلى أن العبارات كلها إنما أوقعت على حكاية الأصوات وقت وقوع الأفعال، ولا أبعد أن يكون الأمر كذلك، ثم إنها تداخلت وضورع ببعضها بعض، ألا ترى أن الخضم لكل رطب والقضم لكل يابس، وبين الرطب واليابس ما بين الخاء والقاف من الرخاوة والصلابة ... وهذا باب إنما يصحب وينجذب لمتأمله إذا تفطن وتأتى له، ولاطفه ولم يجف عليه، ومنه قولهم: «بحثت» التراب ونحوه، وهو على ترتيب الأصوات الحادثة عنده، فالباء للخفقة بما يبحث به عن التراب، والحاء فيما بعد كصوت رسوب الحديدة ونحوها إذا ساخت في الأرض، والثاء لحكاية صوت ما ينبث من التراب فتأمله، فإن فيه غموضا. فأما قولهم: بحثت عن حقيقة هذا الأمر، وبحثت عن حقيقة هذه المسألة فاستعارة للمبالغة في طلب ذلك المعنى، ولا تترك الحقيقة إلى المجاز إلا لضرب من المبالغة، ولولا ذلك لكانت الحقيقة أولى من المجاز.»