De Interpretatione
كالتالي: الكلام تمثيل للخبرات العقلية، والكتابة تمثيل للكلام.»
10
أما أبيقور (341-270ق.م) فقد اتخذ موقفا وسطا معتقدا أن صيغ الكلمات قد نشأت بشكل طبيعي، ولكنها تغيرت عن طريق العرف. وبشكل أكثر أهمية في تاريخ علم اللغة فإن الرواقيين قد تحيزوا للأساس الطبيعي للغة، معولين إلى حد كبير على المحاكاة الصوتية والرمزية الصوتية: فالأسماء في رأيهم قد صيغت بشكل طبيعي، أي من الأصوات الأولى التي تبدو مثل الأشياء التي تطلق عليها، وهذا الموقف يتفق في الواقع مع تأكيدهم الأعم على الطبيعة بوصفها مرشدا للحياة الإنسانية اللائقة،
11
وفي بحثهم عن أصول الكلمات فقد أولوا أهمية كبيرة ل «الصيغ الأصلية للكلمات»
Protai phonai
التي زعم أنها كانت محاكاة صوتية، ولكنها فيما بعد خضعت لتغيرات من أنواع مختلفة.
12
هذان الرأيان المتعارضان لكل من أرسطو والرواقيين رأيان مهمان؛ لأنهما قادا إلى الخلاف اللغوي الثاني للعصور القديمة، وهو القياس مقابل الشذوذ، وهذا الخلاف لم يظهر بشكل جوهري قبل المعالجة الموسعة التي قدمها للمسألة الكاتب اللاتيني فارو
Varro
في القرن الأول قبل الميلاد ... ويبدو واضحا أن أرسطو قد انحاز للقياس، وأن الرواقيين قد انحازوا إلى الشذوذ بوصفه السمة المسيطرة في اللغة،
13
فأرسطو في ذلك أشبه بعلماء البصرة (فيما سيأتي بعد أكثر من ألف عام!) والرواقيون أشبه بالكوفيين. (3) دي سوسير: اعتباطية العلامة اللغوية
ثمة شق آخر من العرف أو التواطؤ ينبغي أن نلتفت إليه: وهو أن هناك أكثر من طريقة لتجزئة العالم وتقطيعه، وكل لغة من اللغات الطبيعية تقوم بذلك على نحو مختلف بعض الشيء، هذه العرفية المزدوجة لكل العلامات اللغوية هي ما يعرف حاليا ب «اعتباطية العلامة»
Arbitrariness of sign ، وهو مصطلح مأثور عن فرديناند دي سوسير (1807-1913)، يقول سوسير: إن العلاقة التي تربط «الدال»
Signifier
ب «المدلول»
Signified
علاقة اعتباطية. ولما كنت أعني بالعلامة اللغوية النتيجة الإجمالية للربط بين الدال والمدلول، فإن بوسعي القول بإيجاز وبساطة: العلامة اللغوية علامة اعتباطية، ففكرة «الأخت»
Sister
لا ترتبط بأية علاقة داخلية مع السلسلة المتتابعة من الأصوات
s-o-r
التي تستعمل كدال بالنسبة لهذه الفكرة في اللغة الفرنسية، إذ يمكن تمثيل هذه الفكرة باستخدام أي سلسلة أخرى من الأصوات، وأكبر دليل على ذلك هو الفروق القائمة بين اللغات، بل وجود لغات مختلفة: فللمدلول «ثور» الدال
b-o-f
على طرف من الحدود (الفرنسية-الألمانية)، و (Ochs) o-k-s
على الطرف الآخر،
14
لقد استخدم لفظ «رمز»
Symbol
للدلالة على العلامة اللغوية، أو على وجه الدقة للدلالة على ما نسميه «الدال». ولكن هناك بعض المصاعب التي تمنعنا من اتخاذه؛ وذلك بسبب مبدئنا الأول نفسه: فللرمز خاصية أنه لا يدرك دوما اعتباطيا، فهو ليس فارغا، بل فيه بقية من رابطة «طبيعية» بين الدال والمدلول، فرمز العدالة مثلا، أي الميزان، لا يمكن أن يستبدل به أي شيء آخر: دبابة مثلا أو عربة!
15
يستدعي لفظ «اعتباطية» الملاحظة التالية: فهذه الكلمة لا ينبغي أن تعطي انطباعا بأن أمر اختيار الدال متروك تماما للمتكلم (وسنرى أنه ليس بمكنة أي أحد أن يغير شيئا في علامة لغوية استتبت في مجتمع لغوي ما)، إنما أعني بالاعتباطية أن العلامة اللغوية ليس لها من سبب، أي أن العلاقة بين الدال والمدلول بها لا تقوم على أية رابطة طبيعية.
16
والاستثناء الوحيد الممكن لهذه الطبيعة الاعتباطية للعلامة اللغوية هو ما عرف بالأونوماتوبيا
Onomatopoeia
أي التسمية بالمحاكاة الصوتية، حيث تقوم بعض الكلمات بمحاكاة الأصوات التي تسميها (مثل كلمة
Boom
بمعنى هدير أو أزيز، وكلمة