وإن من أمة إلا خلا فيها نذير (فاطر: 24)، وقال تعالى
وإنه لفي زبر الأولين (الشعراء: 196)، فبكل لغة قد نزل كلام الله ووحيه، وقد أنزل التوراة والإنجيل والزبور وكلم موسى عليه السلام بالعبرانية، وأنزل الصحف على إبراهيم عليه السلام بالسريانية، فتساوت اللغات في هذا تساويا واحدا.»
16 (2-2) ملاحظات واستدراكات «الاصطلاح» عند قدماء النحاة يعني تواطؤ حكماء، من البشر أو غير البشر، وهو مصطلح يختص بنشأة اللغة، وهو ضد «التوقيف». أما «الاصطلاح» أو «المواضعة»
Convention
في فلسفة اللغة الحديثة، والفلسفة الغربية بعامة، فهو مصطلح يختص بطبيعة اللغة، ويعني العلاقة الاتفاقية التعسفية الاعتباطية بين «الدال»
Signifier
و«المدلول»
Signified ، وهي ضد العلاقة الضرورية أو الطبيعية بين الدال والمدلول (
Naturalism )، وقد لزم التنويه بذلك حتى لا يقع القارئ في الخلط ويظن أن قدماء النحاة كانوا يعنون بالاصطلاح ما يعنيه هورموجينيس في محاورة أقراطيلوس (كراتيلوس)، أو ما يعنيه دي سوسير ب «اعتباطية العلامة»
Arbitrariness of sign .
إن الكثير من فقهاء اللغة العرب كانوا يضمرون الاعتقاد في التوقيف والاصطلاح معا: أن الله صنع العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمته فيما صنعه، وأن العرب صنعت العربية على أكمل وجه وعلى النحاة الكشف عن حكمة العرب فيما صنعته.
إن المذهبين كليهما يلتقيان في أن اللغة كيان محكم، متناهي الإتقان، ثابت الأركان، أتى بتدبير مدبر وفعل فاعل، ومن ثم فإن علينا حفظه وتأمله، وليس لنا أن نعبث به ونتصرف فيه.
لم يكن العقل الإنساني في هذه المرحلة من تطوره ينفر من التناقض نفورنا منه الآن، ولم يكن «قانون التناقض»
Law of contradiction
فاعلا فيه! هذا ما يجب أن نعيه ونحن نشهد النقائض متراصة في فكر القدماء جنبا إلى جنب
Juxtapose
في وئام وسلام، مثلما تتراص في أحلامنا! ونشهد التصورات الميثوبية
17
والغيبية تتبلع ببساطة تدعونا إلى العجب. كان الفكر القديم يدرك العلاقة بين السبب والنتيجة ، ولكنه لن يدرك ما نراه من سببية تعمل كالقانون، آليا ودونما أي هوى شخصي؛ وذلك لأننا قد ابتعدنا كثيرا عن عالم التجربة المباشرة بحثا عن الأسباب الحقيقية ... إنه أعجز من أن ينسحب كل هذا الانسحاب عن الحقيقة المحسوسة، كما أنه لن يقنع بأفكارنا، فإذا بحث عن السبب، فإنه يبحث عن «من» لا عن «كيف»، إنه يبحث عن إرادة ذات غرض تأتي فعلا معينا،
18
هذا ما جعل مسألة «اللغة» كظاهرة «انبثاقية»
Emergent
تنجم تلقائيا من طبيعة الاجتماع، شيئا عصيا على إدراكه، بعيدا عن منال فهمه. (3) علم اللغة الحديث ونشأة اللغة
إن اختلافنا عن هذا السلف البعيد هو اختلاف «إطار معرفي»
Paradigm (نموذج شارح) و«رؤية عالم»
World-view ، يقول الأستاذ أمين الخولي: «لكن ما يبدو لنا غريبا لم يكن في منطق القوم على هذه الغرابة، فإنك لتعرف أنهم يرون أن الدنيا نصف، قد ذهب خير نصفيها: ويقررون أن الأول قد ذهب بالمعرفة كلها، كما ذهب بالخير كله، وأن أفضل القرون قد مضى منذ أكثر من عشرة قرون ... فالنظام عندهم ليس ترقيا، بل هو تنزل وتدهور، بعد كمال وفضل. ومن هنا تدرك أن أساس الخلاف فكري جوهري عام، يمتد إلى أشياء كثيرة، ولا يقتصر على اللغة، بل يمس النظرة الكبرى في سير الوجود كله لا سير اللغة فقط.»
19
من الثابت الآن في ضوء اللغويات الحديثة وعلم الاجتماع الحديث «أن اللغة ليست إلا ظاهرة اجتماعية، وتلك الظواهر الاجتماعية لا تقوم إلا على غير ما تصوره الأقدمون من أمور عقلية منطقية، وأعمال صناعية تحكمية»
20 «تلك الظواهر الاجتماعية ليست صناعة فرد بعينه أو أفراد بعينهم، ولا عمل جيل بذاته، ولا توجيه فيها لعقل الفرد، أو الإرادة الفردية، ولا تأثير له عليها، فلا هو يستطيع دفعها إذا أراد، ولا هو يستطيع صدها إذا شاء، وما هو ولا قومه مجتمعين بمستطيعين أن يقدموا من أمرها شيئا أو يؤخروه، فلا هم يتدخلون تدخلا إراديا في وجودها، ولا هم يسهمون في تنظيمها، ولا هم يختطون طريقها، وكل ما تتعرض له وما يواجهها من دوافع أو موانع، وما ينالها من تغير وتحول، أو توسع وتبسط، أو توقف وتعطل، لا يكون شيء منه إلا من نتائج العقل الجمعي، ومقتضيات الوجود التجمعي، وهو ما لا ينفي فيه منطق الأفراد ولا يثبت، ولا تعطي فيه إرادتهم ولا تمنع، ولن يغيروا أبدا من واقع تحتمه القوانين الاجتماعية الثابتة المطردة.»