9
وفي موضع آخر من الخصائص يقول ابن جني: «هذا كله وما أكني عنه من مثله - تحاميا للإطالة به - إن كانت هذه اللغة شيئا خوطبوا به وأخذوا باستعماله،
10
وإن كانت شيئا اصطلحوا عليه، وترافدوا بخواطرهم ومواد حكمهم على عمله وترتيبه فهو مفخر لهم، ومعلم من معالم السداد دل على فضيلتهم.»
11
وفي موضع ثالث من الخصائص يقول بصريح العبارة: «قد تقدم في أول الكتاب القول على اللغة: أتواضع هي أم إلهام؟ وحكينا وجوزنا فيها الأمرين جميعا، وكيف تصرفت الحال، وعلى أي الأمرين كان ابتداؤها؛ فإنها لا بد أن يكون وقع في أول الأمر بعضها، ثم احتيج فيما بعد إلى الزيادة عليه؛ لحضور الداعي إليه، فزيد فيها شيئا فشيئا، إلا أنه على قياس ما كان سبق منها في حروفه وتأليفه ...»
12
يرى د. لطفي عبد البديع «أن التوقيف يمكن حمله على الإلهام من الله تعالى للبشر بالأسماء في مطلق معناها دون أن يكون في ذلك تعارض ما مع القول بالاصطلاح على معنى أن يتواطأ اثنان فأكثر من أبناء لغة بعينها على تسمية شيء بالاسم الذي يرتضونه ويتواضعون عليه هم ومن يليهم، ويكون التوقيف والاصطلاح أمرين «متكاملين» في الإنسان لا يتم أحدهما إلا بالآخر فهما جانبان للغة التي تدرج على الأرض ولكنها تمد بسبب إلى السماء؛ فالتوقيف كالأصل الميتافيزيقي للغة، والاصطلاح كالأصل الاجتماعي لها، وكلاهما له مكانه السائغ في العمل اللغوي، أما ما أفاض فيه القائلون بهذا وذاك من حجج وأدلة فمبناه على قضايا كلامية في جملتها ينقض بعضها بعضا ...»
13 (2) استكمال اللغة
وسواء على اللغوي أكان أميل إلى التوقيف أم الاصطلاح، فقد كان يشعر بأن اللغة لم توضع مرة واحدة، وأنها قد تلاحق تابع منها بفارط، ليس بمعنى التطور الذي ندركه اليوم (فالحق أن مفهوم اللغة عندهم ما زال يتمتع بكمال مرحلي معين) ولكن بمعنى آخر مقيد أيضا بالتوقيف الإلهي أو بوضع الواضع الأول! يذهب ابن فارس مثلا إلى أن الله وقف آدم على ما شاء أن يعلمه إياه مما احتاج إلى علمه في زمانه، ثم علم آخرين من عرب الأنبياء ما شاء أن يعلمهم، حتى انتهى الأمر إلى خاتم الرسل فلا نعلم لغة من بعده حدثت. ويميل ابن جني إلى أن استكمال اللغة مقيد بوضع الواضع الأول، الذي لا يخالف عليه من بعده، وأن خلاف من بعده ليس إلا أثرا لمتابعة المتأخر للمتقدم: ذلك أن الواضع الأول توقع حاجات الخلف بحكمة استقبلت من أمر الحياة ما استدبر،
14
وتعرفت المستقبل فوضعت القياس الذي يأخذ به الخالف حين يحتاج إلى الزيادة في اللغة أو يضطر إلى مخالفة الواضع الأول!
15 (2-1) كمال اللغة ورأي ابن حزم «العربية خير اللغات» يقول العربي ... «اليونانية أفضل اللغات» يقول جالينوس ... «العبرية لغة الرب، والملائكة لا يفهمون غير العبرية» يقول اليهود ... «السريانية لغة الحساب في الآخرة ولغة أهل الجنة» يقول السريان ... «الفارسية لغة الجنة» يقول الفرس ... «أنا الحق وكل ما سواي الباطل» يقول «العرق»
Ethnos ! لاحظ أن بعض اللغات المذكورة لم يدم في الحياة لكي يلحق بالآخرة!
لكي ننفي هذا التفضيل اللاهوتي للعربية (ولكل لغة) فمن الأقرب والأيسر أن نستشهد بواحد من قدامى العلماء الأجلاء أنفسهم هو ابن حزم، القائل في «الإحكام في أصول الأحكام»: «وقد توهم قوم في لغتهم أنها أفضل اللغات، وهذا لا معنى له؛ وقد قال تعالى:
وما أرسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبين لهم (إبراهيم: 4)، وقال:
فإنما يسرناه بلسانك لعلهم يتذكرون (الدخان: 58)، فأخبر تعالى أنه لم ينزل القرآن بلغة العرب إلا ليفهم ذلك قومه عليه السلام لا لغير ذلك، وقد غلط في ذلك جالينوس فقال: إن لغة اليونانيين أفضل اللغات؛ لأن سائر اللغات إنما هي تشبه إما نباح الكلاب وإما نقيق الضفادع. قال علي: وهذا جهل شديد؛ لأن كل سامع لغة ليست لغته ولا يفهمها فهي عنده في النصاب الذي ذكر جالينوس، ولا فرق ... وقد قال قومه: العربية أفضل اللغات لأن بها نزل كلام الله تعالى، قال علي: وهذا لا معنى له؛ لأن الله عز وجل قد أخبرنا أنه لم يرسل رسولا إلا بلسان قومه، وقال تعالى: